إن مكانة المعلم لا يضاهيها أي مكانة في أي مجتمع كان، وهو الوحيد الذي لا يمكن أن ينساه أو يتناساه أي أحد من طلابه، سواء كانت علاقته به قوية أو ضعيفة. والمعلم يعيش تلك المكانة في حياته؛ حيث ما حل وارتحل إلا ويبادره طلابه بالسلام عليه وتقبيل رأسه واستعدادهم لتقديم أي خدمة يحتاج إليها، وهنا يُفاجأ المعلم بهذا الرجل الذي يبادره بهذا الاحترام والتقدير، وإذا هو أحد طلابه الذي يعرِّف بنفسه بأنه كان أحد طلابه في المدرسة الفلانية، ويقدم المعلم شكره على هذا الصنيع، ويتذكر قول الشاعر شوقي (قم للمعلم ووفه التبجيلا * * * كاد المعلم أن يكون رسولا). نعم، المعلم نهجه في هذه المهنة إنما يقتدي بمنهج الرسل صلوات الله عليهم؛ فلهذا عندما نقول معلم مبادر فهو استشعار بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، التي تتطلب منه أن يتفاعل مع منظومة الحياة كلها، التي تعددت صورها. ومن هنا نحن في حاجة إلى المعلم المبادر الحريص على زيادة تحصيله العلمي؛ لينال أعلى الدرجات العلمية (الماجستير والدكتوراه). كذلك نحن في حاجة إلى المعلم المبادر الذي يثرى حصيلته العلمية في الأمور التقنية والعلمية. أيضاً المعلم المبادر الذي يحترم إنسانية الطالب ومشاعره. كذلك المعلم المبادر الذي يأخذ من وقته وينصت ويستمع إلى مشاكل الطالب وظروفه الاجتماعية. المعلم المبادر الذي يصبر ويتحمل ولا ينتظر الثناء والمديح من رؤسائه. المعلم المبادر الذي يتفاعل مع المنهج الدراسي، ويكتب ملاحظاته وآراءه حوله. المعلم المبادر الذي يتواصل مع أولياء أمور الطلاب داخل المدرسة وخارجها. المعلم المبادر الذي يتواصل مع الفعاليات الثقافية والورش التدريبية. المعلم المبادر الذي يقتطع من إجازته الأسبوعية، ويصطحب طلابه في رحلة ترفيهية. المعلم المبادر الذي يرسم صوراً للمواطنة من خلال أعمال مطبقة في الميدان. المعلم المبادر الذي يرسخ حب المدرسة ومنسوبيها والمحافظة عليها من العبث. المعلم المبادر الذي يقوم بتنوير طلابه بأهمية القراءة والتواصل مع الجهات التي تخدمها. المعلم المبادر الذي يكون قدوة لطلابه في مظهره وسلوكه. المعلم المبادر الذي يتحدث باللغة العربية الفصحى داخل أروقة المدرسة. المعلم المبادر الذي يقوم بتفعيل مكتبة الفصل. المعلم المبادر الذي يرسخ حب النظام والنظافة بين طلابه. المعلم المبادر الذي يعدل بين طلابه. المعلم المبادر الذي يرسخ وينمي ثقافة الحوار بين طلابه.المعلم المبادر الذي يتواضع مع طلابه ويعترف بخطئه إذا أخطأ. المعلم المبادر الذي يرسخ الألفة والمحبة بين طلابه بعيداً عن العصبية. المعلم المبادر الذي ينظِّم زيارات لطلابه لبعض المؤسسات الحكومية، ولاسيما التي لها علاقة بأمنياتهم الدراسية مثل الجامعات والكليات العسكرية والمؤسسات الصحفية. المعلم المبادر الذي يقود الحملة مع طلابه لتنظيف الفصل والممرات المجاورة له.
وقبل أن أختم أحب أن أشير إلى أن مبادرات المعلم لا حصر لها، وقد تفرض نفسها أحياناً في صور كثيرة، ولا يمكن أن يتقنها إلا من اتصف بصفات المعلم المبادر.
والله من وراء القصد.
mid@abegs.org