د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
لم أرَ في كتب النحو كتابًا نالته عناية الدارسين ككتاب سيبويه الذي لم يظهر مكتوبًا كاملاً في حياته، بل ظهر بعد وفاته، ومنذ أن تلقفه طلاب العلم صار هو المصدر والمرجع والمنطلق، وما كتب بعده هو معتمد عليه مستمد منه، وتعددت أشكال العناية به فمنها ما اهتم بشرحه، فوصلنا عدد من شروحه عبر الزمن النحوي الطويل، ومنها تعاليق على نصه ومنها شرح لشواهده، ومنها استدراك لبعض محتواه، وعلى الرغم من كثرة الكتب النحوية وضخامتها ربما تفرد (الكتاب) ببعض مسائل لا تجدها عند غيره، وعلى الرغم من تقدم عهده ظل قبلة الدارسين حتى تكاثرت رسائل الماجستير والدكتوراه والبحوث والمقالات الدائرة في فلكه وقد أعد اللغوي القدير كوركيس عواد عضو المجمع العلمي العراقي كتابًا ضخمًا سماه (سيبويه إمام النحاة في آثار الدارسين خلال اثني عشر قرنًا) طبعه المجمع في بغداد عام 1398هـ/1978م. وقد تضاعفت الأعمال منذ ذلك الوقت، وأحسب أنه سيظل قبلة للدارسين حتى كأنما هو كنز لا يفنى.
يأتي عمل د. أمل بنت محمد الشقير كوكبًا من كواكب المجموعة السيبيّة، أحسنت اختيار موضوعه جامعة بين الفكر النحوي الأصيل التليد والفكر اللساني العتيد، وأحسنت مرة أخرى حين وضعت للعمل عنوانًا جديدًا مختلفًا بعض الاختلاف عن أصله حين كان رسالة للدكتوراه، فجاء العنوان صادقًا على موضوع كتاب سيبويه الذي كان المنطلق، فهو كما سمته (عقلُ النظرية النحوية)، ويأتي العنوان الشارح لهذا الإجمال (بحث في مفهوم التقدير التجريدي ودوره في البناء النظري عند سيبويه)؛ وبذا تبينت حدود البحث فهو يعالج جانبين متظافرين مفهوم التقدير وأثر التقدير، والهدف إضاءة جانب من جوانب البناء النظري للنحو عند هذا الإمام العبقري.
والدكتورة أمل من الدارسين القلائل الذين زويت لهم معارف العربية التليدة ومعارفها العتيدة، فاستطاعت بجدارة كانت مثار إعجاب المناقشين لرسالتها، وكنت رئيسًا للجنة المناقشة الموقرة التي أقرت بالإجماع على صلاح الرسالة وإمكان نشرها بعدُ، وقلت يومها إنّ إشرافي على رسالة الطالبة أمل هو إشراف إداري؛ إذ كفتني المؤنة بما كانت عليه من تمكن علمي وسعة اطلاع وتمكن من أدوات البحث ومنهجه، ولم تكن ملحوظاتي سوى ملحوظات شكلية هي جملة من العادات الكتابية التي ألزمت نفسي بها فأوصيتها بها فوفت وما زالت وافية بها.
وجاء عمل الدكتورة أمل في ثلاثة أبواب تتفرع إلى فصول والفصول لها فروع، وقد أجاءها إلى ذلك ما للعمل من أهمية وما له من جمع بين قديم وجديد وما له من جوانب مختلفة.
عقدت الباب الأول لدراسة التقدير التجريدي، لبيان مفهومه وأسسه المنهجية النحوية واللسانية، وهي تجمع، كما نرى، منذ البداية بين النظر النحوي والدرس اللساني. بينت مفهوم التقدير التجريدي وأنواعه والمفاهيم المصاحبة: التقدير، والتجريد، ثم ما يتركب منهما (التقدير التجريدي) وأنواعه، وهي تقفنا أيضًا على مفاهيم مقاربة للتقدير التجريدي مبينة العلاقة بين المصطلحات المقاربة للتقدير التجريدي، وبعد أن استقام لها مفهوم التقدير التجريدي مضت إلى بيان الأسس المعرفية للتقدير التجريدي وبيان أثره في بناء المنوال النحوي العربي، أي بناء نسيج النحو وشبكته المتضافرة، وقفتنا على أبرز هذه الأسس المعرفية للتقدير التجريدي في النحو العربي، وهي: الاستقراء والتحليل، والتفسير، ووقفتنا على آليات تحكم التفكير في اللغة قديمًا وحديثًا لتبين حضور هذه الآليات الفكرية في النحو واللسانيات، هذا هو شأن التقدير. وللتجريد شأنه ومبادئه المعرفية في النحو أيضًا، ومضت إلى مزيد من التفصيل المبين أثر التقدير التجريدي في بناء المنوال النحوي، فوقفت عليه وعلى اللغة النحوية نفسها. والتفتت الباحثة القديرة إلى الجانب اللساني لتبين مبادئ التحليل البنيوي التوزيعي في التحليل النحوي العربي التجريدي، فوقفتنا على اللسانيات التوزيعية، وقفتنا على التوزيعية بين البنيوية والتوليدية وعلى مفهوم التوزيع وكيفية الاستفادة منه في التقدير التجريدي ومفاهيم التحليل التوزيعي ومبادئه بين الدرسين العربي والغربي، مبينة الطرائق التوزيعية في تناول مسائل النحو العربي ومعيار التحليل التوزيعي وتوظيفه في التقدير التجريدي وأنماط التحليل التوزيعي ومفهوم تحليل المكونات المباشرة والتحويل عند التوزيعيين ومفهوم الموضع عندهم، ثم موقفهم من المعنى، وراحت توازن بعد ذلك بين تصور التوزيعيين وتصور المنوال النحوي العربي، وبهذا يكون الغرض من الباب الأول قد انقضى، وهو المهاد النظري.
تقف الباحثة في الباب الثاني على الجانب التطبيقي العملي من بحثها وهو: بيان التقدير التجريدي وطرائقه وصوره عند سيبويه، تقفنا على طرائق التقدير التجريدي بمراعاة قياس النظير والحمل على الموضع التجانسي: الاستبدال والمقابلة بين عناصر جملتين لهما بناء تركيبي مجانس، والتصرُّف في الترتيب، والمعادلَة، والتصرُّف في الكلام بزيادة شيء على عناصره الواردة فيه، والتصرُّف في الكلام بحذف شيء من عناصره الواردة فيه، ثم تقفنا على الطرائق الاستدلالية للتقدير التجريدي بمراعاة مفهوم الموضع الذي تقتضيه بنية الجملة، ومن ذلك طريقة تصور إمضاء الكلام في موضع كأنه قد تكلم به، وطريقة تفسير المعنى للوصول إلى تقرير الإعراب تجريديًّا، وطريقة تصوُّر الكلام جوابًا عن سؤال (الاستدلال بالسؤال المتخيَّل)، وطريقة توصيل الأُثْرة إلى غير المذكور وقوعًا على شيء من سببه، وطريقة الاستبدال، وطريقة المعادلَة مع الاستبدال، وطريقة الزيادة، وطريقة الرجوع إلى أصل التركيب مع طريقة المقابلة، وطريقة استجلاب المهمل لمراعاة الصناعة النحوية. وتمضي الباحثة إلى بيان اللغة الواصفة والتقدير التجريدي، فتميز نوعين أحدهما (التقدير التجريدي من غير وسيلة المحاورة) ويكون منه التمثيل الذي لا يتكلم به?وتصور الكلام غير الملفوظ به وتقدير قوة القول وتقدير الإرادة القولية والتجريد بالمجرى، وأما النوع الثاني فهو (التقدير التجريدي بوسيلة المحاورة والمساءلة)، وفيه التقدير التجريدي بالمقاولة، وتصور الكلام جوابًا عن سؤال والتخييل الحواري، والمحال التجريدي التمثيلي أو اللَّوقلَة التمثيلية، والافتراض القولي بتنزيل القول منزلة قول آخر، وبهذا ينقضي غرض الباب الثاني.
تبدأ الباحثة القديرة في الباب الثالث بالبحث النحوي اللساني فتعالج التقدير التجريدي بين النحو والتداول والعرفان، تقفنا أولًا على المؤثرات الوظيفية الإعرابية، وفيها قرينة الإعراب وفكرة العامل، وفرضية الإضمار والاختزال، وفرضية تفسير التراكيب لتقرير الإعراب، وتبين الفارق الدلالي والإيضاح التركيبي، وقياس الحمل على النظير، والمؤثر الدلالي في اجتماع أسلوبين متضادين، والإحالة الصناعية والدلالية، وموضع الاسم في التفكير النحوي، وتمضي إلى بيان المؤثرات التداولية وأثرها في التقدير التجريدي، ومنها كفاية المتكلم، وكفاية المخاطَب، والبعد الاجتماعي، والكفاية الحِجاجية، ومبادئ التخاطب. وأما التقدير التجريدي في المقاربات العرفانية فتعالجه بادئة ببيان مفهوم العرفان وعلاقته باللغة، وترجمات (عرفان) وما اتصل بها في العربية، وعلاقة مفهوم العرفان باللغة والبحث اللساني، وتصل بعدُ إلى منوال البنية التصورية واختبار مفهوم التقدير التجريدي أي منوال الدلالة التصورية ومفاهيمها الأساسية والمفاهيم العرفانية وعلاقتها بالتقدير التجريدي وفيه البنية التصوّرية والتقدير التجريدي والخطاطة والعيِّنة والتقدير التجريدي، ثم تقفنا على منوال الفضاءات الذهنية واختبار قدرته التفسيرية للتقدير التجريدي وفيه الفضاءات الذهنية: النظرية والمصادر والمفاهيم الأساسية، فتبين أهم مصادر نظرية الفضاءات الذهنية ومفهوم الفضاءات الذهنية ونظرية المزج ثم العلاقة بين المزج التصوري والفضاءات الذهنية، ومفهوم الفضاء الذهني وما اتصل به في تفسير التقدير التجريدي. وتصل الباحث بهذا إلى ختام بحثها الذي جعلت له خاتمة أجملت أهم نتائج بحثها، وصنعت ثبتًا بمصادرها ومراجعها وهي شبكة من الكتب والبحوث القديمة والحديثة العربية والغربية، وقد أحسنت الباحثة القديرة الاستفادة منها من غير أن تثقل عملها بكثرة النقل.
كتب هذا العمل النحوي اللغوي الرصين بلغة واضحة تليق بالعلم، ولم يبق لنا سوى الدعاء لها بالتوفيق في أعمالها القادمة -بإذن الله.