علي حسين (السعلي)
بماذا نعرف التفاصيل الصغيرة هي تلك التي لا تهتم بها نفسك والآخر رغم أنها قريبة منا جدا، لكن لا يلتفت لها بتاتا! ونشعر بها كثيرا حين نقرأها أو نسمعها أو حتى نشاهدها صدفة ونستجرها بذاكرة بعيدة قريبة، ونقول: هذا الموقف مثلا قد وقع معي أو شاهدته في غيري وربما قرأته ذات مرّة، وهذا ما نسميه «الإبداع» في أبسط معانيه، وما يفعله الكاتب والمثقف اوالمبدع حين يصنع من التفاصيل الصغيرة حدثا في قالب قصة، شعرا في بحر القصيدة، مقالة في سطور الكلمات، وهكذا.. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا إن التقطت أنت تلك التفاصيل الدقيقة وكتبتها؟ ماهي التفاصيل الصغيرة في حياتنا؟
قمت فجأة من حلم مزعج: هل فكرت في كتابته مع شيء من الخيال .عامل تصليح إطارات هل ركزت في حبّات العرق التي تتساقط من جبينه! منظر سيارة عروسة متزينة وأبواق السيارات تحيط بها من كل الاتجاهات .عامل القهوة وهو ينحني لك احتراما وهو ينتظر من فيك خروج الكلمات، وأنت تقود مركبتك وطفلتك أو بنتك الحديث الذي دار بينكما هل هي عابرة تمضي هكذا أم تلك التفاصيل الصغيرة تمرّ من حياتنا.. هكذا مرور الكرام. والأمثلة كثيرة في هذا الجانب، لكن تركت لمخيلتكم أيها العظماء تكتشفون ما هو أكثر مما كتبت من تفاصيل حياتنا الصغيرة، ولكل واحد منا منذ فجر الصلاة إلى وقت النوم ما بينهما تفاصيل التفاصيل لابد من تدوينها بنفسك. التفاصيل الصغيرة في حياة الأدباء.
قال أحد الحكماء: كل الأشياء العظيمة التي حدثت في العالم إنما حدثت على طريقة النمل شيئاً فشيئاً .
في كتاب (في مهب المعركة) قال المفكر مالك بن نبي: التاريخ لا يبدأ من مرحلة الحقوق، بل من مرحلة الواجبات المتواضعة في أبسط معنى للكلمة الواجبات الخاصة بكل يوم بكل ساعة بكل دقيقة، لا في معناها المعقد.
ولعلي أختم بنص لفرانز كافكا بعنوان «حكاية صغيرة»: القصة هي عبارة عن فقرة واحدة، وتبدأ بالفأر يتحسر ومن ثم يقول «العالم بأكمله يصغر يوماً بعد يوم، في بادئ الأمر كان كبيراً لدرجة تخيفني، فكنت أركض وأستمر في الركض، وأخيراً كنت سعيداً عندما رأيت نهايته إذ كانت هناك حيطان على اليمين واليسار تبعد عني مسافة كبيرة، ولكن تلك الحيطان المرتفعة سرعان ما تقاربت حتى أصبحت في الحجرة الأخيرة بالفعل، وهناك في أحد الزوايا يوجد الفخ الذي يجب أن أقع فيه، فيجيبه قط بعد أن استمع إليه فيقول له أنت فقط في حاجة إلى أن تغير اتجاهك» ويلتهمه بعدها مباشرة !
سطر وفاصلة
قالت: «ماعاد تفرق معي ولا تهمني» جملة واحدة قرأها وبدمعه كتب: صدق المثل «جزاء سنمار» وقصته كالتالي: بنى قصرا وهو الوحيد الذي يعرف إن حرك شيئا فيه انهدّ بنيانه فلما عرف صاحب القصر بعد أن تأكد بـأنه الوحيد الذي يعرف السر .. قتله في الحال.!!