اللواء الركن م. د. بندر بن عبدالله بن تركي آل سعود
ليس ثمَّة شك أنك تستطيع أن تكتب عن أي إنسان، دون أن تحتار، أو تخشى خذلان القلم، أو تلعثم اللسان، إلا سلمان؛ لأنك قطعاً ستجد نفسك أمام مجموعة من أناسٍ في إنسان واحد، وقادة في قائد واحد، ورواد في رائد واحدٍ.. فساعتئذٍ حتماً تحتار، وتتوجس من خذلان القلم وتلعثم اللسان.
أجل، لأنك لن تدري عن أي سلمان يا ترى ستكتب، هل عن سلمان الإداري الفذ، الذي تسنَّم إدارة منطقة الرياض لأكثر من نصف قرن من الزمان، فحوَّل حاضرتها الرياض التي ملك عليه حبُّه لها شغاف قلبه، وتسرَّب عميقاً في أوردته وشرايينه، واستولى على كل تفكيره، فحوَّلها من قرية صغيرة متواضعة ترقد وسط الصحراء، لا تتجاوز مساحتها اثني عشر كيلومتراً في عهد المؤسس، الملك عبدالعزيز آل سعود، والد الجميع، ولم يكن عدد سكانها يتجاوز ثمانية آلاف نسمة، إلى إحدى أسرع مدن العالم توسعاً، فتمددت في كل الاتجاهات حتى تجاوزت مساحتها اليوم آلاف الكيلومترات، فيما تجاوز عدد سكانها سبعة ملايين نسمة؛ ولا تزال تتمدد، لاسيَّما شمالاً، كما هو حال المدن في العالم كله.
وكان بدهياً أن يصاحب هذا التوسع المتلهف الزاحف، بعون الله وتوفيقه، ثم بعزيمة سلمان وحبِّه للعمل والإنجاز والإبداع، تحوّل في طرقاتها الضيِّقة أيضاً وأزقتها، إلى شوارع فسيحة مسفلتة، تيسِّر حركة السير فيها جسور حديثة وأنفاق ممتدة. كما تحوَّلت مساكنها المتواضعة التي كان قوامها اللبن وجريد النخل، إلى مبانٍ حديثة، وعمارات وأبراج شاهقة تناطح السماء. وتحوَّلت شنطة الطبيبين رشاد فرعون ومحمد خالد خاشقجي التي لا تزال حتى اليوم معروضة في دارة الملك عبدالعزيز، وكانت آنذاك بمثابة الإمدادات الطبية، إلى مدن طبية عملاقة، ومستشفيات متخصصة. وأصبحت كُتَّاب الرياض التي كانت على تواضعها تعد على أصابع اليد الواحدة، بتوفيق الله عزَّ وجلَّ، ثم بجهد سلمان وعزيمته الماضية التي لا تعرف المستحيل، إلى آلاف المدارس في التعليم العام، بينها مدارس متخصصة كمدارس تحفيظ القرآن الكريم، هذا غير رياض الأطفال؛ إضافة إلى جامعات حكومية بينها أفضل جامعة على مستوى العالم العربي، وأخرى أهلية مرموقة، حققت مراكز متقدِّمة في التصنيفات العالمية. كما حوَّل سلمان دكاكين الرياض الصغيرة المتواضعة التي كانت تعرض كل شيء، حتى الطعام، إلى أسواق عملاقة بمواصفات عالمية وفنادق سبعة نجوم، ومطاعم راقية تقدم مائدة العالم كله شرقيه وغربيه. كما تحوَّلت خلاوي الرياض، إلى آلاف المساجد التي يشق صوت الأذان فيها الفضاء، مقراً بوحدانية الله سبحانه وتعالى، ورسالة رسوله صلى الله عليه وسلم ونبوته، ومنادياً: أن حيَّ على الصلاة. كما تحوَّلت التجارة في الرياض، التي كان معظمها يتم على بسطات في الشارع، بما فيها الصرافات، إلى شركات عملاقة واستثمارات عالمية بمليارات الدولارات، ومئات البنوك والصرافات ومعرض إكسبو. كما تحوَّلت كرة الدافوري في الحارات، إلى كأس العالم.
أجل، هكذا كان حال سلمان مع الرياض التي تمثِّل عشقه الأول الأبدي، لقد منحها وقته وجهده وفكره وعقله، وضحى من أجلها بكل شيء، لأنه كان يؤمن يقيناً أنها صورة مصغَّرة لبلاده، وواجهتها الأساسية التي تطل منها على العالم، كما يراها العالم من خلالها. ولهذا ما زال اسم الرياض قرين اسم سلمان والعكس، بل ستبقى بصمة سلمان في الرياض راسخة إلى الأبد في وجداننا كلنا، مثلما هي بصمته في الوطن كله اليوم.
أقول، حقاً يحتار الفكر، وتخشى خذلان القلم وتلعثم اللسان عندما تهم بالكتابة عن سلمان، الإداري الفذ، وزير الدفاع الذي كان يزور أسودنا البواسل في الثغور، فيتناول معهم الطعام يداً بيد على بساط متواضع على الأرض. ثم سلمان ولي العهد الذي حمل العبء مع أخيه الملك عبدالله، فكان خير السند، ونعم العضد.
إي والله، لا تدري عن أي سلمان يمكنك أن تكتب، رائد العمل الخيري في بلادنا والعالم، الذي طالما ترأس كل لجان الدعم الخيري للآخرين من أشقاء وأصدقاء من منكوبي السويس عام 1956، إلى الجزائر، الأردن، الباكستان، مصر، سوريا، السودان، الكويت، البوسنة والهرسك، بنقلاديش، بل حتى إيران. أما حثّه لشعبه لدعم الأشقاء الفلسطينيين لمرات عديدة في ظروف مختلفة، فقد كان فعَّالاً لدرجة دفعت حتى النساء للتبرع بحليهن، كما تبرع الأطفال بمصروفهم المدرسي. وفضلاً عن هذا، كانت السعودية الدولة الرسمية، والحقيقة لا تزال، أكبر داعم عربي للأشقاء الفلسطينيين على الدوام، لكن للأسف الشديد، رأينا من يتنكر لجميلها من الإخوة الفلسطينيين، ويغدق الشكر والثناء لإيران وحواضنها في المنطقة.. أقول، توَّج سلمان القائد الهمام هذا الجهد الخيري والعمل الإنساني اليوم بـ (مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية).. هذا هو سلمان صاحب القلب الكبير، لن يقعده عن همته العالية ونفسه الكبيرة نكران جميل، أو ذم بخيل.
أجل، لا تدري عن أي سلمان تكتب، الحاكم العادل الذي ينتصر لعامل بسيط، فيوجه بأن تكون كفالته على الدولة، بعد أن فاجأه كفيله باستخراج تأشيرة خروج نهائي، على أن يكمل أطفاله عامهم الدراسي، وتستوفي له الجهات المعنية حقوقه كاملة حسب النظام.
حقاً، لا تدري عن أي سلمان تكتب، القائد المخلص الوفي، الذي لا يخشى الصعاب مهما ادلهمت الخطوب، فقد امتلأ قلبه الكبير بالرحمة على الكبير مثلما هي على الصغير حتى فاض؛ فقد رأيناه ملازماً شقيقه الفهد في المستشفى لعام كامل، يدير أعماله من سريره بجوار سرير أبو فيصل، لم يفارقه لحظة واحدة. وتكرر المشهد نفسه مع شقيقه الأمير سلطان، الذي صحبه في رحلته العلاجية خارج المملكة، وبقي إلى جواره لمدة عام أيضاً، متابعاً حالته مع الأطباء، مهتماً بتناول جرعاته العلاجية، ومواسياً له في مرضه، ومن سريره بجوار سرير أبو خالد كان يتابع أعماله في الوقت نفسه، حتى عاد معه برفقته إلى أرض الوطن. فبادله سلطان الخير وفاءً بوفاء، واصفاً إيَّاه بـ (سمو الوفاء، ووفاء السمو) كما قال في حقه أيضاً: (سلمان خير من حكم وجاهد وعمل في مدينة الرياض، لقد كان قوياً بحكمة، حازماً برحمة، وكان وفياً لخدمة دينه وولي أمره، وما وليَّ عليه من شعب، لذلك لا يستكثر عليه أي أعمال يقوم بها أو قام بها فعلاً).. صحيح، لا يعرف قدر الرجال إلا الرجال.
أجل، لا تدري عن أي سلمان تكتب، المواطن الأول بمرتبة الشرف الأولى، الذي لم نفتقده يوماً في أفراحنا وأتراحنا، يشد على أيدينا مهنئاً، ويربت على أكتافنا بحنانه الأبوي مواسياً، ويمازحنا على السرير الأبيض في المستشفيات مسلياً ومخففاً عنَّا وطأة الألم وشدة المرض، غارساً في قلوبنا التفاؤل، زارعاً الأمل بغدٍ أفضل.
حتماً، عندما تخاطر بالكتابة عن قائد همام بمقام سلمان، لا بد أن تحتار، ويخذلك القلم، ويتلعثم منك اللسان.. هل تكتب عن سلمان الصحفي، الذي يتابع الصحافة مع ما يضطلع به من مسؤوليات عظيمة، فيتصل بالصحفيين مشيداً وموجهاً ومصوباً إن لزم الأمر. أم يا ترى تكتب عن سلمان المؤرِّخ، الذي يعد بحق أحد المؤرِّخين المتميِّزين اطلاعاً، إلماماً، فهماً عميقاً، نقداً وتحليلاً. ومن شدة شغفه بالتاريخ، نجده كثيراً ما يستشهد في أحاديثه ببيت الشعر التالي لعباس محمود العقاد:
ومن وعى التاريخ في صدره
أضاف عمراً إلى عمره
والحقيقة، لا يوجد اليوم بيننا من هو أعلم بتاريخنا من سلمان، ولا من هو أكثر اهتماماً بتاريخ هذه الأسرة الحاكمة المباركة، ولا بإرث هذا الشعب السعودي العريق، الذي هو فعلاً أسرة واحدة، من سلمان. ولأن هذا هو فهمي لهذا القائد الكبير الهمام بيننا اليوم، ولا بد أنكم تشاطرونني الرأي، أعتدت أن أصف مقامه السامي الكريم كلما تشرَّفت بالكتابة عنه بـ (ذاكرة الوطن التي لا تشيخ، ومستودع إرثنا الحضاري والتاريخي والثقافي).
أقول، لا تدري عن أي سلمان تكتب، النَّسَّابة، المرجع الثقة، أمين سرِّ العائلة، الذي اعتمد عليه عبدالرحمن الرويشد في كتابه (الجداول الأسرية لسلالات العائلة المالكية السعودية)، إذ يقول بعد مقدمة طويلة استعرض فيها آراء مجموعة من النَّسَّابة المعروفين: (وعلى كل حال، أكد نسب هذه الأسرة - يعني أسرة آل سعود - إلى قبيلة حنيفة نسابو العائلة ومراجعها الثقات من آل سعود، من بينهم الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، الذي كان الملك عبدالعزيز يشير إليه عندما يجري الحديث حول هذا الموضوع بقوله: اسألوا أخي عبدالله. والأمير سلمان بن عبدالعزيز ... إلخ). وأود أن أضيف هنا بهذه المناسبة، أن الملك عبدالعزيز كان يصف أخيه الأمير عبدالله بن عبدالرحمن بـ (عالم آل سعود وفقيههم).. مثلما هو سلمان اليوم.
أجل، قطعاً ستحتار عن أي سلمان يمكنك أن تكتب، المثقف الأديب الأريب، الرجل الموسوعي، الذي أخذ بحظ وافر من كل العلوم والمعارف، القارئ النهم الشغوف بالمعرفة، مع ما يقوم به من أعباء إدارة الدولة وغيرها من مسؤوليات جسام، الذي يمتلك مكتبة خاصة تشتمل على أكثر من عشرين ألف عنوان، بينها أمهات المصادر والمراجع في مختلف العلوم والمعارف.
حقاً، لا تدري عن أي سلمان تكتب، خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، قائد قافلة خيرنا القاصدة إلى الأبد إن شاء الله، الذي حقق لبلادنا الطيِّبة المباركة، التي ليس مثلها في الدنيا وطن، خلال هذه العشر السنبلات الخضر الزاهيات المشرقات، ما عجز قادة غيره كثر في بلدان أخرى، عن تحقيقه لشعوبهم في عقود عديدة. ليس هذا فحسب، بل حافظ سلمان على تنمية بلاده وتطورها في المجالات كلها، في حين تسبَّب أولئك القادة الآخرون في تمزيق بلدانهم ونسيجها الاجتماعي من خلال إشعال حروب أهلية، كان وقودها الأبرياء والمساكين، وبنية بلدانهم التحتية على تواضعها، نتيجة اقتتالهم على السلطة.
أقول، مع ما يشهده العالم من تراجع في كل شيء، حقق سلمان لبلاده نقلة نوعية تنموية في المجالات كلها؛ فأصبحت رمانة الميزان في السياسة والاقتصاد والمال والأعمال والاستثمار، تشد إليها الرحال من كل فج عميق، بل أصبحت وجهة أساسية حتى لزعماء (العالم الأول) طلباً للدعم والمساعدة والرأي السديد. ولهذا لا غرو إن أصبحنا اليوم في ظل قيادة سلمان خلال هذه العشرة السنبلات الخضر الزاهيات المباركات، أعلى دولة في العالم من حيث النمو، إضافة إلى ما تحقق لنا من نقلة نوعية في التعليم والمواصلات والصحة، التي احتللنا فيها صدارة العالم فيما يتعلق بتقدير الجوائح والأوبئة، وطب الحشود الذي شهد لنا به طبيب العالم (منظمة الصحة العالمية).
بالطبع، فضلاً عمَّا تم في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة من توسعة وتطوير، مما جعل رحلة الحج والعمرة، سياحة سبعة نجوم؛ بجانب الرياضة بأنواعها كلها، لاسيَّما سباق الخيل ومهرجان الإبل وكرة القدم، إذ تستضيف بلادنا كأس آسيا (2027) وكأس العالم (2034).
والحقيقة، مهما تكتب عن سلمان، تجد نفسك حتماً محتاراً، ويخذلك القلم، ويتلعثم منك اللسان، فما هذا إلا نزرٌ يسيرٌ من كثير ما حققه لنا قائد ركبنا البطل الفذ الهمام، ولأُمَّة العرب والمسلمين وللعالمين أجمعين. وقطعاً: القادم أكثر روعة وإبداعاً ودهشة.
ومع هذا، يقول الرجل في تواضع العلماء دوماً عند الحديث عن جهده وإنجازاته ودوره في المجتمع، متمثلاً قول دريد بن الصمة:
وهل أنا إلا من غزيَّة، إن غوت
غويت، وإن ترشد غزيَّة أرشد
يقصد أن كل ما تحقق فشعبه شريك أصيل فيه، وينبغي ألا ينسب إليه وحده، مستدركاً: وغزيَّة لن تغوي أبداً إن شاء الله، كناية عن ثقته في شعبه.
فاللَّهم أجزِ عنَّا قائدنا إلى المسرات والخيرات، خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد المكرم، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، كل خير، لا أقول بقدر ما قدم لنا ويقدم، بل بقدر كرمك وعطائك يا من لا تنفد خزائنه. ومتعه بالصحة والعافية، وبارك لنا في عمره وعمله من أجلنا وخير العالمين أجمعين.