عبدالوهاب الفايز
تفجر الأوضاع الاخيرة في سوريا، وعودة مشاهد العنف أكد أن التحديات الكبيرة للأمن القومي العربي سوف تستمر إذا بقيت المنطقة مفتوحة ومكشوفة للتدخلات الأجنبية. فهذه التدخلات لها تداعياتها على السيادة الوطنية للدول العربية.
في سوريا نرى كيف تؤدي تدخلات القوى الإقليمية والدولية إلى التأثير على التوازنات السياسية بين مكونات الشعب السوري مما يهدد استقراره.
فالعبث الغربي وتدخلات إسرائيل وبعض دول الجوار أدت إلى انتشار الجماعات المسلحة وتنامي التهديدات الإرهابية.
سابقاً، الفوضى الأمنية في سوريا ساهمت في ظهور جماعات مسلحة متطرفة، وبرزت جماعات الحشد تعمل للمشروع الذي لم يهدد أمن سوريا فقط، بل شكلت تهديدًا مباشرًا لاستقرار الدول العربية نتيجة تسهيل تنقل هذه الجماعات عبر الحدود مما هدد الأمن الداخلي للدول العربية.
الجماعات الخادمة للمشروع المشبوه رأينا كيف تحالفت هذه الميليشيات مع فلول نظام بشار ورتبت لانقلاب عسكري على الحكومة السورية.
ولكن تم احتواء هذه الأزمة بعد أن تصدت لها جميع القوى السياسية والشعبية من مختلف التوجهات والطوائف السورية، وهذا مؤشر إيجابي وتطور نوعي يستحق أن تبادر الدول العربية إلى دعمه ومساندته.
السعودية، ومعها الأشقاء العرب في الخليج وفي مصر والأردن والعراق، هي المرشح الأكبر والأول لقيادة مشروع عربي عسكري لدعم مشروع السلام والوحدة الذي يتطلع إليه الشعب السوري.
والسعودية هي الدولة التي تمتلك علاقات جيدة وحيادية مع جميع الأطراف السياسية والفكرية في سوريا.
الدول العربية مطالبة بالضرورة إلى تبني الدعم العسكري المباشر عبر تشكيل قوة دعم للجيش السوري حتى تستقر الأوضاع الأمنية. الأمن الداخلي القوي هو الذي تحتاجه الحكومة السورية لأجل إطلاق مشروع سلام وإعمار يأخذ الشعب السوري لمواجهة التحديات الاقتصادية بالذات ارتفاع معدلات البطالة والفقر، ويقدم رسالة واضحة للعالم بأن الدول العربية لن تتساهل في مواجهة التحديات التي تواجه أمنها ومقومات وجودها.
هذه التحديات تتطلب تنسيقًا عربيًا مشتركًا عاجلا لتنفيذ مشروع السلام السوري، فالمبادرة ضرورية وتخدم تعزيز الأمن القومي العربي، وتساهم في معالجة التداعيات السلبية للأزمة السورية على المنطقة. والأهم أن سوريا دولة عربية محورية، وقضيتها عربية، وتاريخها وبطولاتها التاريخية عربية، وهذا يجعل مشاكلها مشروع يجب أن يديره ويسيطر عليه المجتمع العربي.
إن تفجر الأوضاع بالصورة الدموية المؤسفة التي ذهب ضحيتها الآلاف من القتلى والجرحى تقدم الشواهد الحية على حرص أعداء سوريا لاستعادة السيطرة على المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد. والسبيل إلى ذلك يتم عبر دعم الجماعات المسلحة الخارجة على القانون ومحاولة زراعة نفوذ جديد في الداخل.
لقد بادرت المملكة إلى دعم الحكومة السورية، وكذلك الدول العربية التي تبنت عدداً من الإجراءات لمواجهة المشروع المشبوه، فقد قادت الجهود الدبلوماسية والضغط السياسي لأجل التأكيد على سيادة سوريا، وعدم قبول التدخل الخارجي، ودعمت الجهود لإيجاد حل سياسي شامل يضمن استقرار البلاد بعيدًا عن تأثير القوى الخارجية، خاصةً إيران.
وعملت السعودية على حفز التعاون الإقليمي والدولي حيث عملت مع شقيقاتها مثل الإمارات وقطر ومع شركاء إقليميين ودوليين مثل تركيا والولايات المتحدة وفرنسا وروسيا على تنسيق المواقف وفرض ضغوط مشتركة ضد التدخلات الأجنبية.
كما قامت الدول العربية المجاورة لسوريا بتعزيز قدراتها الأمنية على الحدود لمنع انتقال المليشيات أو تجديد قنوات الإمداد العسكري، مما يحد من إمكانية استغلال سوريا كمنصة لتمرير الأسلحة إلى حزب الله وغيره من الفصائل.
بالإضافة إلى ذلك، تحرك الدول العربية - بالتنسيق مع المجتمع الدولي - لوضع قيود اقتصادية تحد من التمويل الأجنبي للمشاريع العسكرية في المنطقة، والهدف الأساسي هو وضع حدود وضغوطات مالية لعلها تصعب على الأنظمة التي تقف وراء ما يحري في سوريا رغبة في التدخل والعبث بمصالح الدول العربية من خلال سوريا.
التدخل العربي العسكري لدعم الحكومة السورية أصبح ضرورة ملحة، فالأحداث الأخيرة أثبتت ضرورة توسيع الرد العربي ليشمل التدخل العسكري، وهذا سوف يدعم العمل الدبلوماسي ويعزز جهود تنسيق السياسات الأمنية والاقتصادية، وهذا سوف يؤدي إلى الحد من تجدد النفوذ الأجنبي في سوريا، ومنع أي محاولة لإسقاط النظام الجديد لصالح قوى خارجية، خصوصاً إسرائيل التي وجدت الفرصة لتوسيع احتلال الأراضي السورية، ولن تتردد في احتلال المزيد ويسهل ذلك الموقف الأمريكي الجديد الداعم للمشروع الصهيونى بدون تحفظ، ويسهله أيضاً (مشروع حماية الطوائف) الذي يستخدم كحصان طرواده للتدخل في شؤون المنطقة.. وليس سوريا فقط!
مشروع السلام العسكري العربي سيكون لصالح الحفاظ على استقرار المنطقة، وإعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم مصالح الدول العربية، والأهم يجنبنا ضرورة الدخول في صراع مباشرة مع القوى الإقليمية والدولية التي تعبث بالملف السوري.