د. محمد بن أحمد غروي
في عالم تتشابك فيه التحديات التنموية مع الحاجة إلى حلول مستدامة، تتجه الأنظار نحو التجارب الناجحة التي استطاعت خلق تأثير إيجابي عميق في مجتمعاتها، ومن بين هذه التجارب، يبرز نموذج جمعية ترميم للتنمية بمنطقة مكة المكرمة، التي تبنّت مفهوم «ترميم المكان لتنمية الإنسان»، في خطوة تستهدف إعادة تأهيل مساكن الأسر المتعففة، وتعزيز استقرارها الاجتماعي والاقتصادي، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 .
مثل هذه التجارب تضع السعودية ضمن خارطة الدول التي تستثمر بذكاء في حلول الترميم السكني، وهو مفهوم أثبت نجاحه في العديد من دول جنوب شرق آسيا، حيث لعبت استراتيجيات مماثلة دورًا حاسمًا في تحسين الظروف المعيشية للفئات الأكثر حاجة، ودفع عجلة التنمية المستدامة بطرق مبتكرة، فما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه التجارب؟ وكيف يمكن أن تسهم «جمعية ترميم للتنمية» في بلورة نموذج سعودي يُحتذى به على المستويين الإقليمي والعالمي؟
عندما تأسست الجمعية قبل ثلاثة أعوام، لم يكن هدفها تقديم حلول إسعافية للأسر المتعففة، بل خلق نموذج مستدام يعالج جذور مشكلة السكن المتهالك، عبر توفير بيئة آمنة ترفع من جودة الحياة، وتعزز الاندماج الاجتماعي، ومن طور تأسيسها لليوم، استطاعت ترميم نحو 657 منزلًا موزعة على سبع محافظات في منطقة مكة المكرمة، بمواصفات ومعايير نوعية.
أهم ما يميز الجمعية ليس فقط حجم إنجازاتها، بل قدرتها على تحقيق تأثير مستدام من خلال الحوكمة الفعالة، والشراكات الذكية، والتوسع في نطاق الخدمة، وهي ركائز جعلتها أقرب إلى تجارب دول رائدة في جنوب شرق آسيا، حيث نجحت استراتيجيات الترميم المستدام في خلق تحول اجتماعي واقتصادي ملموس.
في ماليزيا، يعد برنامج PR1MA نموذجًا متقدمًا في إعادة تأهيل الأحياء الفقيرة عبر ترميم المنازل عوضا عن هدمها، مع إدماج تقنيات البناء لخفض التكاليف وتحسين كفاءة الطاقة، وهذا النهج يتقاطع مع رؤية «جمعية ترميم للتنمية»، التي تركز على تعظيم الاستفادة من البنية التحتية القائمة بدلًا من الحلول التقليدية التي تعتمد على بناء وحدات جديدة مكلفة.
وبالنسبة لإندونيسيا، أطلقت الحكومة برنامج «بيتي الأفضل»، وهو مشروع مجتمعي يُشرك السكان المحليين في إعادة تأهيل منازلهم بالتعاون مع جهات غير ربحية، واللافت في التجربة هو دمج المجتمع في الحلول التنموية، وهو ما يتماشى مع نموذج «جمعية ترميم للتنمية»، من خلال التطوع المتخصص، وهو عنصر أساسي في عملياتها، مما يعزز التماسك الاجتماعي، ويخلق بيئة مستدامة للتنمية.
وفي الفلبين، تبنت الحكومة بالتعاون مع منظمات غير ربحية استراتيجية «الترميم مقابل التمكين»، حيث يُمنح المستفيدون فرصة المشاركة في أعمال الترميم، مما يُكسِبهم مهارات مهنية جديدة تفتح لهم أبواب العمل في قطاع البناء والإصلاحات، ويعكس هذا النموذج توجهًا إستراتيجيًا، بحيث يتحول المشروع من مجرد دعم للأسر المتعففة إلى منصة لتمكينهم اقتصاديًا من خلال توفير فرص تدريب وتشغيل في قطاع الترميم السكني.
بينما تميل الحلول التقليدية إلى بناء مساكن جديدة للأسر المحتاجة، فإن التجارب العالمية أثبتت أن الترميم هو خيار أكثر ذكاءً لعدة أسباب. منها: استغلال البنية التحتية القائمة عوضا عن تكاليف بناء وحدات جديدة، وسرعة التنفيذ، مما يسمح بتحسين حياة الأسر خلال فترة قصيرة، فضلًا عن خفض التكاليف، حيث يمكن إعادة تأهيل عدة منازل بتكلفة بناء وحدة جديدة واحدة، وأضف على ذلك الاستدامة البيئية، حيث يقلل الترميم من استهلاك الموارد والانبعاثات الكربونية.
تعكس «جمعية ترميم التنمية» فكرًا تنمويًا متقدمًا، مما يجعلها مؤسسة تنموية رائدة أكثر منها منظمة خيرية، فهي تسهم في إعادة تشكيل مفهوم الدعم السكني في المملكة، بطرق تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية.
ومع تصاعد الدور الذي تؤديه المنظمات غير الربحية في رؤية 2030، فإن تجربتها تُعد فرصة مثالية لإطلاق نموذج سعودي عالمي للترميم السكني المستدام، يمكن تصديره إلى المنطقة والعالم أجمع، ويتطلب تحقيق ذلك، توسيع نطاق التعاون مع القطاع الخاص، عبر إشراك شركات المقاولات في برامج المسؤولية الاجتماعية، وتبني تقنيات البناء الذكي، لخفض التكاليف وزيادة كفاءة عمليات الترميم، بالإضافة إلى ذلك تعزيز التمكين الاقتصادي للمستفيدين، عبر برامج التدريب والتوظيف في الترميم، والاستفادة من التجارب الآسيوية الناجحة عالميًا، بالشراكات ونقل المعرفة.