م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - الشعور بالسلام الداخلي هو التحرر من المشاعر السلبية، الصغير منها والكبير، هو الراحة المطلقة والحياة المطمئنة والعيشة الهنية.. حيث يخلو الجسد من الآلام، ويتحرر العقل من الأوهام، وتتخلص النفس من مشاعر الخوف، والقلق، والاكتئاب، والحزن، والغضب، والإحباط، والضيق، والفوبيا من الطيران والأماكن المغلقة، والرهاب الاجتماعي، وتأنيب الضمير، وجلد الذات، والرغبات الإدمانية.
2 - الشعور بالسلام الداخلي يعني التحرر من المشاعر السلبية التي أثارتها أحداث ومواقف حدثت للشخص في الماضي واحتفظ بها عقله الباطن، ويظهرها إلى السطح كلما هدأت نفسه ليعكر صفو حياتها.. السلام الداخلي يعني تخلص الشخص من مسببات القلق المستقبلية التي سوف تقلق منامه وتقض مضجعه مما سوف يأتي وقد لا يأتي.. السلام الداخلي هو العيش في الحاضر والاستمتاع به، فلا الماضي يزعجه ولا المستقبل يقلقه.. السلام الداخلي هو أن يرى الإنسان كل صباح أفقاً جديداً ونهاراً سعيداً، يستلذ فيه بقهوته وفطوره وحديثه مع من يحب.. السلام الداخلي أن يشعر أنه روح طائرة يهنأ بيومه ويرى في غده أنه سيكون يوماً جديداً جميلاً سعيداً مليئاً بالآمال والطموحات.
3 - السلام الداخلي علته تصدر من الداخل، هذه العلة حينما تُظهر وجهها القبيح فهي تُظهر السطح الخارجي لها، وهذا السطح يقوم على أعمدة أو ركائز أو قوائم، والمشكلة أننا ننشغل بمحاولة علاج هذا السطح الظاهر، وكل الذي نستطيع تحقيقه هو إعادته مرة أخرى إلى عقلنا الباطن..
ويرى علماء النفس أن الحل هو في هدم تلك الأعمدة وإزالة تلك القوائم التي يرتكز عليها ذلك السطح البشع الذي يؤذي النفس ويُفْقدها السلام الداخلي.
4 - الوجه البشع للمشاعر السلبية الذي يظهر ويسبب لنا الآلام النفسية والجسدية والفوبيا وكل المشاعر السلبية المعيقة الأخرى التي تؤذي النفس وتشوه السلام الداخلي الذي نعيشه، يعتمد على الذاكرة في بناء أعمدته التي ترفعه إلى سطح النفس فتكدر صفوه، وتغطي نقاءه.. فالذاكرة تتفحص العقل الباطن وتُخْرج منه تلك الذكريات المزعجة التي أثرت على سلامنا الداخلي بشكل مزعج أفقدته السلام.. والتي تصل أحياناً درجة تهويلها في النفس إلى حدّ أن يشعر الشخص بالضياع وفقدان الأمل، وبالتالي تصيبه بالاكتئاب!
5 - ليست مشكلة الإنسان الوحيدة أنه لا يرى سوى سطح المشكلة فقط ويجهد نفسه في البحث عن حلول لإزالتها، دون الوعي بأن الذي رفع ذلك السطح هي الأعمدة التي يجب أن يزيلها حتى ينجح في مهمته.. الأمر الثاني أنه لا يحاول اقتلاع المشكلة من جذورها بل يحاول دفنها وإعادتها إلى قبرها في العقل الباطن.. وهذا حل مؤقت لأنها في لحظة ما، بل في اللحظة الخاطئة سوف تُخرج المشكلة رأسها وتظهر على السطح من جديد.. كما أن عملية اقتلاع المشكلة من جذورها لن يزيل المشكلة الظاهرة التي سببتها فقط، بل سوف يزيل معها المشاكل الجانبية الصغيرة التي لم نفطن إليها بجانب تلك المشكلة الكبيرة.
6 - لا شيء ينشأ بلا مسببات، بما في ذلك المشاكل النفسية، والاتجاه إلى الأعراض أو النتائج لعلاجها وليس علاج الجذور المسببة لها هو علاج يلامس السطح، بمعنى أنه إجراء مؤقت يزول مفعوله سريعاً فتعود أعراضه من جديد.. من هنا فلا بد من رصد جميع المواقف والأحداث والأشخاص والقضايا وكل شيء آخر أحدث تلك المشكلة ثم إعادة النظر فيها.. وإخراج المشكلة كلها إلى الهواء الطلق عوضاً أن تكون من القضايا المسكوت عنها التي نحاول دفنها بالنسيان والتجاهل.
7 - لا شيء يُمْحى من الذاكرة بل يُخزن في العقل الباطن، والمطلوب هو إخراج كل أمر سلبي من مكانه وإلقاؤه خارج أسوار النفس بعيداً عنها، ويكون ذلك بالنظر الفاحص والتعامل مع المشكلة من موقعنا الجديد حيث نحن الآن أكثر خبرة وتجربة ومعرفة وثقة بالنفس، وعندها سوف يتضح لنا أن الأمر إما أنه أبسط مما رسخ في بالنا في صغرنا، أو أن نسمح لتلك المشاعر السلبية بالرحيل بعيداً عنا حتى ترتاح نفوسنا ولا نعود نقلق من ظهورها مرة أخرى.