راشد صالح الحمادي
على ضفاف وادي سمنان التاريخي في محافظة الزلفي، حيث جرت مياه الماضي العريق، وامتدت ظلال النخيل شاهدة على أزمان لم تمح من الذاكرة، يتربع «بيت البيئيين»، صرح تراثي فريد، صنعته يد الوفاء وحمله عشق الأرض والتاريخ. هذا المكان الذي أنشأه ويعتني به ابن الزلفي الأستاذ عبدالكريم بن أحمد الفراج، لم يكن مجرد متحف أو فعالية عابرة، بل هو نافذة تطل على روح الزلفي، وتوثق علاقة الإنسان بماضيه، وتحتفي بمكونات الطبيعة التي شكلت ملامح هذه الأرض.
في «بيت البيئيين»، تروي النخلة قصتها في متحف خاص بها، حيث تعرض أسماؤها، وأصنافها، وطرق جني تمورها وحفظها، وكأنها تسرد حكاية ارتباطها العميق بأهل هذه الأرض. وإلى جانبه يزدان المكان بالمتحف البيئي، الذي يقصده البيئيون للنقاش فيه حول معروضاته من صور الأشجار ونباتات من مختلف أرجاء الوطن ليكون شاهدا على تنوع بيئي فريد، لطالما ألهم أبناء الزلفي وأبناء المملكة.
وفي «سقيفة رشيد» التي سميت على الشاعر القديم رشيد الحمد -رحمه الله - يجتمع الأدب والتاريخ، حيث تقام لقاءات دورية تضم أدباء الزلفي وشعراءها، ليعيدوا رسم مشهد ثقافي كان نابضا في مجالس الأجداد. ليس ذلك فحسب، بل تحتضن هذه السقيفة بين أركانها معلومات توثق تاريخ الزلفي، وتسلط الضوء على ماضيها العريق، ورجالاتها الذين سطروا أسماءهم في ذاكرة المكان.
أما «وادي سمنان» الذي كان شاهدا على قصص الأجداد وحكاياتهم، لم ينس في هذا المكان، فبين جدران «بيت البيئيين» وثائق وصور ومعلومات عن هذا الوادي العريق، وعن أبرز أعلامه الذين تركوا أثرا في تاريخ الزلفي وحياتها الاجتماعية والثقافية، وإلى جانب هذا الإرث التاريخي، يقف مسجد قديم، يروي بصمته في ذاكرة المكان، ويحفظ بعضا من روح الأزمان الماضية العابقة بالإيمان، ليكون جزءا من هذه الرحلة التي تجمع بين التراث والطبيعة في تناغم أصيل.
أما في أحد أركان «بيت البيئيين» يتربع متحف أحمد الفراج -رحمه الله - المخصص لمقتنيات الرجل الذي أبدع في بناء المآذن، وخلد بصمته في هندسة معمارية لا تزال تعانق السماء. أدواته الهندسية، ومخططاته، وصور لمآذنه التي لا تزال شامخة، كلها شواهد على مسيرة رجل جعل من البناء فنا يحاكي الإبداع ويعانق الإيمان ومن العمارة رمزا يحفظ للأجيال.
ولا تكتمل هذه اللوحة التراثية إلا بالمحمية التي تضج بالحياة، حيث الطيور تملأ الأفق، والمزرعة التي تتراقص أسماكها في مائها الصافي، وكأنها تحاكي انسياب نهر الذكريات بين أركان المكان.
(بيت البيئيين) ليس مجرد مزارا، إنه قصة وفاء للأرض ورسالة تخلد الجمال الطبيعي والتاريخي في قلب الزلفي. هو مساحة تنبض بالحياة، وتحمل بين جدرانها إرثا صنعته الأيدي، وروحا حفظتها العقول، ليبقى شاهدا على عشق لا ينطفئ، واهتمام لا ينضب.