في ظل التطورات السياسية والاقتصادية الأخيرة، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفًا مثيرًا للجدل تحت شعار (Drill Baby Drill)، الذي يعكس توجهًا قويًا نحو تعزيز إنتاج الطاقة من مصادر الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة. هذه السياسة لها تداعيات متعددة على الاقتصادات العالمية، خاصةً على اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد بشكل كبير على صادرات النفط والغاز.
تأتي سياسة ترامب في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تشهد حالة من عدم الاستقرار الناجم عن التوترات الجيوسياسية والتغير السريع في الطلب على الطاقة، كما زادت الإدارة الأمريكية السابقة من جهودها لتعزيز إنتاج النفط والغاز الطبيعي، مما أدى إلى ارتفاع إنتاج الولايات المتحدة من الطاقة وهذا بدوره أثر على أسعار النفط العالمية، حيث شهدت الأسواق تقلبات حادة.
تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها السعودية والإمارات والكويت، من بين أكبر منتجي النفط في العالم. وفقًا للأرقام الحالية لمنظمة أوبك، يبلغ إنتاج المملكة العربية السعودية حوالي 10,5 مليون برميل يوميًا، بينما يبلغ إنتاج دولة الإمارات العربية المتحدة حوالي 4,0 مليون برميل يوميًا، وإنتاج الكويت حوالي 2,7 مليون برميل يوميًا. هذا الإنتاج الكبير يجعل هذه الدول ذات تأثير كبير على أسعار النفط العالمية.
انخفاض الأسعار الناتج عن زيادة الإنتاج الأمريكي قد يؤدي إلى انخفاض إجراءات الإيرادات الناتجة عن تصدير النفط مع زيادة إنتاج الولايات المتحدة، وبالتالي قد تتجه دول الخليج إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية أكبر للتكيف مع هذه التقلبات، بما في ذلك تنويع الاقتصاد وتحقيق الاستثمارات في مجالات أخرى مثل السياحة والطاقة المتجددة.
علاوة على ذلك، قد يؤدي تزايد استخدام الولايات المتحدة للموارد المحلية إلى إطلاق مشاريع جديدة في مجال الطاقة والتكنولوجيا في دول مجلس التعاون الخليجي، ويمكن لهذه الدول أن تستثمر في تطوير مصادر الطاقة البديلة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مما يعزز من قدراتها على تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط، وهو ما قد بدأت تلك الدول بالعمل عليه منذ سنوات ومن المتوقع أن تشهد المنطقة تحولات كبيرة في قطاع الطاقة النظيفة، حيث يُشير بعض التوقعات إلى إمكانية خلق حوالي 1,5 مليون وظيفة جديدة في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة خلال العقد المقبل، وتمثل هذه الفرص انطلاقة حيوية لتطوير المهارات المحلية وتعزيز النمو الاقتصادي, وتُعد هذه الفترة فرصة أيضاً لتلك الدول للتفكير استراتيجياً في مستقبلها الاقتصادي والتوجه نحو الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، يمكن أن يمثل إطاراً جديداً يجعلها أقل عرضة لتقلبات السوق النفطية لهذا، فإن المزيج بين استمرارية إنتاج النفط والتوجه نحو مصادر الطاقة المتجددة يعد أمرًا حيويًا.
في الخاتمة، يمكن أن تكون سياسة الرئيس ترامب لها تداعيات مهمة على اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، لكنها تمتلك أيضًا إمكانات كبيرة للتحول نحو مستقبل أكثر استدامة من خلال استثمارات استراتيجية وإصلاحات هيكلية لضمان التكيف مع التغيرات في ساحة الطاقة العالمية.
** **
د. فراس عادل السالم - رئيس مجلس الأعمال الكويتي بدبي