د. عبدالحق عزوزي
إننا في الجامعات، عندما ندّرس لطلبتنا مفهوم السياسة فـإننا نقول لهم: إنها تعني من بين ما تعنيه، «فن إدارة الاختلاف»، أي أن جوهرها وروحها التفريق لا محالة. السياسة تقوم حيث يوجد الاختلاف، أو حيث يمكن أن يقوم اختلاف، وبالتالي فهي أقرب إلى أن تكون «فن إدارة الاختلاف» منها إلى أي شيء آخر. والإدارة أو التسيير تعني هنا، إما إدارة الاختلاف القائم، وإما العمل على خلق اختلاف آخر جديد. ومن هنا كان ربط الدين بالسياسة -أياً كان نوع هذا الربط ودرجته- يؤدي ضرورة إلى إدخال جرثومة الاختلاف إلى الدين، والاختلاف في الدين إذا كان أصله سياسياً يؤدي إلى مشكلات داخل المجال السياسي العام وقد يؤدي في حالاته القصوى إلى الطائفية والحرب الأهلية؛ أما جوهر الدين وروحه أنه يوحد ولا يفرق، والدين الإسلامي هو دين التوحيد بإطلاق، التوحيد على مستوى العقيدة (إله واحد)، والتوحيد على مستوى المجتمع (أمة واحدة) والتوحيد على مستوى فهم الدين وممارسته {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. فيجب الخوض في المعادلات الرياضية الحقيقية لتنمية المجتمعات وإخراجها من مأزق الفقر والتبعية والجهل، بدل البحث عن مواضيع ثانوية تخلق الشعبوية وتحشد الجماهير وراءها... والشعوب هي التي تدفع الثمن غالياً إذا لم تعط لتدبير الشأن العام الأولوية وكامل الأهمية، وإذا لم يجلب أناس قادرون على تحمل المسؤولية... فعار ثم عار على لجوء العقل السياسي إلى مشكلات يكون المجتمع في غنى عنها، فالنضج والتطور ضروريان عند كل مكون سياسي الذي عليه أمانة طرح القضايا الاجتماعية والاقتصادية طرحاً رياضياً صحيحاً وأمانة التعبير عنها تعبيراً سياسياً ومطابقاً، فكل المكونات السياسية في العالم الإسلامي مطالبة اليوم، أن ترتفع بنفسها إلى مستوى الأهداف والأولويات لمجتمعاتها، وعلى رأسها تسيير الشأن العام الذي من خلاله ستنمو المجتمعات وتتطور اقتصادياً واجتماعياً، فإذا حولت السياسة الدين إلى عامل تفريق فستهزم الدولة بسرعة وستبلغ الغاية من مداها وتتداعى إلى التلاشي والاضمحلال، والله وارث الأرض ومن عليها. وللمستشار محمد سعيد العشماوي كتاب قيم عن الإسلام السياسي جاء في مقدمة الكتاب التي أنصح كل ذوي العقول النيرة والطلبة الباحثين والفاعلين السياسيين بقراءتها، إن الله سبحانه وتعالى أراد للإسلام أن يكون دينا، وأراد به الناسن يكون سياسة؛ والدين عام إنساني شامل، أما السياسة فهي قاصرة محدودة، قبلية محلية ومؤقتة. وقصر الدين على السياسية قصر له على نطاق ضيق وإقليم خاص وجماعة معينة ووقت بذاته. الدين يستشرف في الإنسان أرقى ما فيه وأسمى ما يمكن أن يصل إليه؛ والسياسة تستثير فيه أحط ما يمكن أن ينزل إليه وأدنى ما يمكن أن يهبط فيه وممارسة السياسة باسم الدين أو مباشرة الدين بأسلوب السياسة يحوله إلى حروب لا تنتهي وتحزبات لا تتوقف وصراعات لا تخمد وأتون لا تهمد، فضلا على أنها تحصر الغايات في المناصب وتخلط الأهداف بالمغانم وتفسد الضمائر بالعروض.
لكل أولئك فإن تسييس الدين أو تديين السياسة لا يكون إلا عملا من أعمال الفجار الأشرار أو عملا من أعمال الجهال غير المبصرين، لأنه يضع الانتهازية عنوانا من الدين، ويقدم للظلم تبريرا من الآيات، ويعطي للجشع اسما من الشريعة، ويضفي على الانحراف هالة من الإيمان، ويجعل سفك الدماء ظلما وعدوانا، وعملا من أعمال الجهاد. وعندما ساس النبي صلى الله عليه وسلم أمور المؤمنين كان يفعل ذلك بإرشاد الوحي ورقابته، في كل قول أو فعل أو تصرف، حتى يمكن القول -طبقا للاعتقاد الإسلامي- أن الوحي هو الذي كان يسوس أمر المؤمنين.
وقد وقعت حوادث ظن فيها المؤمنون بأن النبي صلى الله عليه وسلم يباشرها إيحاء من الله - فلما سئل في ذلك نفى الوحي فيما أتى؛ وقال في مرة إنه فعل ما فعله بدافع الحرب والرأي والمكيدة، كما قال في مرة أخرى -عندما كان الرأي المخالف هو الصحيح-: أنتم أعلم بشؤون دنياكم. ولا شك أنه - فيما عدا هاتين الواقعتين - توجد وقائع أخرى لو سئل فيها النبي صلى الله عليه وسلم لأجاب بما يقطع بأنه كان يصدر فيما قال أو فعل عن رأيه هو وليس عن توجيه من الوحي.