د. طارق بن محمد بن حزام
في عصر الإنترنت والانفجار المعلوماتي، كيف غيَّر تدفق المعلومات علاقتنا بالفهم؟ في وقت أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى، بضغطة زر يمكننا الاطلاع على ملايين الصفحات حول أي موضوع نريده. لكن هل زادت قدرتنا على الفهم بنفس الوتيرة؟ أم أننا غرقنا في بحر من المعلومات دون أن نمتلك أدوات تحليلها واستيعابها؟
وعندما يكون الحديث عن الفرق بين المعرفة والفهم، فإن المعرفة تعني تراكم المعلومات والحقائق، أما الفهم فهو القدرة على تحليل هذه المعلومات وربطها بعضها ببعض للوصول إلى رؤية واضحة. يمكن لأي شخص أن يحفظ عشرات المقالات عن الذكاء الاصطناعي، لكن فهمه العميق يتطلب استيعاب المبادئ التي تحكم هذا المجال وربطها بالسياق الأوسع.
ومع تدفق المعلومات بسرعة هائلة، أصبحنا نميل إلى القراءة السريعة، والاستهلاك السطحي، والقفز من موضوع إلى آخر دون التعمّق. هذا النمط يعزِّز «وهم المعرفة»، حيث نعتقد أننا نعرف الكثير لمجرد تعرضنا لمعلومات كثيرة، بينما في الواقع نفتقر إلى الفهم.
إن وسائل التواصل الاجتماعي، والمحتوى السريع، والاعتماد على العناوين المختصرة، كلها تساهم في تقليل التركيز والتفكير النقدي ضمن تأثير السرعة على الفهم. بدلاً من بناء تصورات متكاملة، أصبحنا نعيش في دوائر معلوماتية مغلقة، حيث نقرأ ما يتوافق مع آرائنا فقط، مما يضعف قدرتنا على التحليل والاستنتاج.
ولتحقيق التوازن بين المعرفة والفهم، يجب: التعمّق في المصادر بدل الاكتفاء بالمختصرات. طرح الأسئلة وعدم قبول المعلومات كما هي دون تمحيص. البحث عن الترابطات بين المواضيع بدلاً من الاكتفاء بالمعلومات المنفصلة.
التحكم في استهلاك المعلومات وتخصيص وقت للتفكير والتحليل.
إن أهم غاية يمكن أن نطمح إليها في عصر «التدفق المعرفي» هي إنتاج أجيال مفكرة قادرة على التحليل والبحث والاستنتاج، وليس أجيالاً مقلدة وتعتمد على التلقين والحفظ. فقد سادت في الماضي منهجية تعليمية تقوم على أن النجاح العلمي مرهون بنتائج الاختبارات، مما أدى إلى إجبار المتعلمين على الحفظ والتلقي السلبي فقط.
أما جوهر العلم، فيكمن في القدرة على الممارسة النقدية بكافة أشكالها وفي جميع المجالات. ينبغي علينا استغلال سمة «التدفق المعرفي» للمشاركة في إنتاج المعرفة، وذلك من خلال منح المتلقين والباحثين وطلاب العلم فضاءً واسعًا من الحرية لممارسة علمية قائمة على التحليل، وطرح التساؤلات، والبحث، والاستنتاج.
الخاتمة
المعرفة وحدها ليست كافية. ما نحتاج إليه هو الفهم، الذي يمنحنا القدرة على استخدام هذه المعرفة بوعي وذكاء. فهل نحن مستعدون لإبطاء الإيقاع قليلاً من أجل رؤية أعمق تمنحنا التفوق والإبداع؟