كانت معرفتي برواية «ريح الحشائش والنفط» للكاتب فهد الأحمري عن طريق الأستاذ سعد الأنصاري (أبو منصور)، الذي أثار شغفي بهذه الرواية، وأبو منصور أحد طلابي في معهد الرياض العلمي. وقصته مع الثقافة تستحق أن تُروى.
تحدث أبو منصور بحماس عن هذا العمل الأدبي، وانتهى الحديث مع أبي منصور بترتيب لقاء على شرف الرواية. وكانت الرواية واسم المقهى كلها تتجه نحو المستقبل، مقهى 1454. وفيه كان اللقاء الأول بالرواية، وقد قرأتها قبل اللقاء قراءة غير مباشرة، من خلال مقال للكاتب وأستاذ علم الاجتماع الدكتور عبد الله العمري، منشور في صحيفة الرياض بتاريخ 8 أبريل 2024 م، بعنوان «قراءة في السيرة الروائية: «ريح الحشائش والنفط»، الذي جعلني أكثر استعدادًا للدخول للنص.
يحار القارئ في تصنيف هذا العمل، هل هو سيرة روائية تحكي تخيلات وأفكار، أم سيرة ذاتية توثيقية تروي الحقائق، أم رواية تاريخية تتكئ على التاريخ، وتستلهم حوادثه ؟
وحسبي أن أقول إنها تجمع بين ذلك كله، فهي عمل فني يحكي قصة جيل الثمانينات الهجرية بأسلوب بديع، ولغة رشيقة واضحة، وبناء سردي محكم أخذ من كاتبه عشر سنوات غير متواصلة.
في هذا العمل الروائي، نحن أمام كاتب وفيلسوف استطاع بقدراته العقلية وأدواته الفنية وتجربته الثريّة الربط بين مراحل ذلك الجيل. وأمسك في هذا العمل بأعظم مقولتين عقليتين ناظمتين للوجود: الزمان، والمكان، وقام على فلسفتها. والروائي الجيد فيلسوف جيد كما يقول ألبير كامو.
«ريح الحشائش والنفط» بحث عن معنى الذات من خلال أربع تجارب، انتقل فيها الكاتب من غِناء الحقول الزراعية إلى حقول الصناعة والنفط، ومن حقول التطرف إلى الوسطية والاعتدال. إنها حقًا حكاية جيل في سيرة ذاتية مصغرة.
تتألف هذه السيرة الروائية من ثلاث وأربعين وقفة مترابطة، ولكن يمكن أن نتعامل مع كل واحدة نصًا مستقلًا بفكرته.
نجح فيها الكاتب في وصف المكان وأبدع في فلسفة الزمان، وتجلت براعته في تصوير الشخصيات وتفاعلاتها مع البيئة المحيطة في عمل أشبه ما يكون بأدب الرحلة.
الأسماء في الرواية، مثل «تاهم» و»أتهم» و«داحشة» و«صالحة» و«شتّاف»، ليست مجرد تسميات اعتباطية، بل هي مرآة تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية وحتى التحولات الاقتصادية، فالأسماء تحمل دلالات على الوضع الاجتماعي والاقتصادي السائد في كل مجتمع.
بطل السيرة هو «تاهم». الذي يمثل رحلة الكاتب في بحثه عن معنى الذات. يُشتق اسم تاهم من تهامة من حيث الجذر والمعنى، وتتشكل شخصيته من مراحل حياته، بدءًا من ولادته وحتى انتقاله للعمل في أرامكو، متأثرًا بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية. من كونه راعيًا للغنم إلى العمل في شركة أرامكو، ومن متشددًا يحمل فكرًا متطرفًا إلى صاحب موقف وسطي معتدل.
إن «ريح الحشائش والنفط» ليست مجرد عمل فني، بل هي وثيقة تاريخية وثقافية غنيّة بالمعاني والدلالات، وهي مرجع مهم ومُلهِم للدراسات الثقافية، والأنثروبولوجية، تصف التحولات ومعالم التغيير داخل البيت في طُرق الأكل وأدواته ونوعه، إنها دراسة في الموروث الثقافي، في العادات والتقاليد، في الأزياء وعادات اللباس، وفي الأهازيج والرقص، وفي اللهجات وتطورها، وفي تداخل الثقافات داخل المجتمع. مرجع لا يمكن تجاوزه بحال في تلك الفترة عن الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية.
يكشف هذا العمل الروائي عن تحولات الوعي في المجتمع، ويقدّم صورة متكاملة عن التغيرات الثقافية والفكرية والمنهجية التي مرّ بها جيل الثمانينات في المجتمع السعودي ليعيد تشكيل فهمنا لجيل عاش حالات من التحديات والآمال.
إذا كان المؤرخ روائي بالقوة، أي يولد كمؤرخ باستعداد روائي سردي بالفطرة، فالروائي هو الآخر مؤرخ بالفعل، يكتسب ذلك من خلال ممارساته الروائية والسردية، وهذه الرواية تتكئ على التاريخ والموروث الثقافي من خلال تجربة الكاتب، والموروث الثقافي فيها يحمل آفاقًا كثيرة، ويمثل في حمولته تراكمًا معرفيًا كبيرًا متح منه الكاتب ووظّفه في إبداعه، وعلى قدر ما يحمله ذلك الموروث من عمق ضارب في الوجدان الجمعي وفي المتخيل الثقافي والإنساني على حد متكامل ومتداخل، فإنه يمثل مادة ثرية ومؤثّرة بما يمتاز به ذلك الموروث من تراكم في الخبرة وتراكب في المستويات الدلالية، ومن هنا كان اهتمام الكاتب بالموروث الثقافي الشعبي.
تناولت الرواية عدّة موروثات ثقافية تستحق كل منها دراسة مستقلة، مثل عادة الخِتان للذكور والإناث وتطرقت إلى تأثير المذاهب على استمرارية بعض العادات في جنوب المملكة كالمذهب الشافعي ودوره في تلك العادة، عادة ختان الأنثى، وما يرتبط بهذه العادة من الألم، وما يصاحبها من طقوس كثيرة وغريبة تنتشر في جنوب المملكة في تلك الحقبة الزمنية، إذ يصف السارد الخاتن (شتّاف) وعمله وصفًا قصصيًا جريئًا...
«شتاف لم يدع لي فرصة الحوار... يمد يده إلى عضوي المتدلي دون سروال وقبل أن أشعر به، إذا به قد انتهى من العملية بلمح البصر، لتبدأ الحرارة اليسيرة تنبعث من الموقع شيئًا فشيئًا، التفت إلى ثوبي فإذا هو ملطخًا بالدماء ليطلق الوالد وخالي نيران بنادقهما...»
كم يتناول السارد موقف فتيات القرية اللاتي لا يحضرن بشكل مباشر بل «يرقبن مشهد الخِتان من بعيد على استحياء ويتهامسن بينهن عن تفاصيل الفتى وجماله وشجاعته أمام سكين الختّان. وقد يتحدثن عن عضو الطفل...».
ومن الموروثات الأخرى التي حفظتها لنا الرواية «فرّقنا» حيث يصف فيها عادات وأساليب البيع والشراء والدعاية والتسويق القديمة في جنوب المملكة، وهي فكرة بائع أو بائعة الحي الجوالة، بحسب كل منطقة، ففي جازان بائع، وفي جدة بائعة كما جاء في رواية «بقشة الفرّقنا» لعلي يوسف، وفي مسقط رأس الكاتب كذلك بائعة. «وفرّقنا دعاية مجانية، تأتي بمعنى نحن نفرق الأشياء الاستهلاكية المتنوعة ويكون لكل واحدة منهن «محطة استراحة» تكون في منتصف الشارع لاجتماع نساء ذلك الشارع وأحيانًا تتولى إحدى الجارات دعوتها وجاراتها للدخول إلى منزلها للشراء...».
تُظهر تنقلات الكاتب داخل المملكة من الجنوب إلى الشام - أي نجد - إلى شرق الجزيرة إلى غربها، أثرًا واضحًا في تنوع تجاربه الثقافية والفكرية التي أثرت كتاباته في الموروث الشعبي، لعل أول نقطة التقاء ثقافي لتاهم كانت في وادي الدواسر، حيث يكشف السارد عن موروث اللهجات وتنوعها في المملكة، مثل لهجة السكسكة ولهجة الكشكشة، ولهجة (أم) الجنوبية. وناقش تاريخها وأماكن وانتشارها في العالم العربي..
تطرقت الرواية أيضًا إلى عادات اللباس والزينة، مثل ارتداء النجديات في وادي الدواسر لغطاء الوجه، وارتداء الجنوبيات لغطاء الرأس، ويعود مرة أخرى إلى تأثير المذهب الشافعي في تلك الممارسة.
كما عايش الكاتب أثناء تنقلاته ألوانًا متعددة من الفنون الشعبية، اللون الجنوبي، واللون النجدي، وألوان الفنون الشعبية في المنطقة الشرقية المعروفة بتنوع الموروث، كفن النهمة واليامال، وكذلك ألوان الفنون الشعبية في المنطقة الغربية وتحديدًا الفن الينبعاوي بينع، وأخذ يقارن بين الفنون الشعبية في مناطق المملكة واستشهد بالكثير من الأهازيج والمواويل الشعبية ويربط تأثيرات البحر وأمواجه على أهازيج والرقصات في حالة أشبه بنظرة الأنثروبولوجي وأسلوب الأديب الأريب، فلعلي أقول أنه درس وجه الشبه بين الثقافة المصرية والينبعاوية في جانب الطرب الغنائي في الإيقاع والجمل اللحنية، وصحح ما كان يعتقده البعض من أن الطرب الينبعاوي نسخة مكررة من اللون الغنائي المصري، وبيّن أنه فن مستقل ويعبّر عن فن سواحل شبه الجزيرة العربية، ويتأثر بالجغرافيا والطبيعة، قال: «إن الفنون تُصبغ بالمكان من خلال الكلمات والإيقاعات الموسيقية والإضافات الحركية المعينة».
كما فسّر سبب اختلاف الإيقاع في الفنون الأدائية بين مناطق المملكة، قائلًا: « نجد التصفيق شيئًا جوهريا بجانب الإيقاع، إلا أنه أكثر أهمية في السواحل لكون غالب وجودهم على ظهور القوارب والسفن، بينما الحركة السريعة في الفلكلور الجبلي بخلاف نظيره في المناطق الصحراوية المتمثلة في العرضة والسامري».
** **
- د.علي النجعي