د. طارق بن محمد بن حزام
تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي في وظائف الدماغ المختلفة بطرق فريدة، فهي تحتوي على العديد من المثيرات التي يمكن أن تؤدي إلى ردود فعل مختلف، فعلى سبيل المثال تؤثر الأبعاد الإيجابية الناتجة عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في أجزاء متعددة من الدماغ فوفقًا لمقال نُشر في دورية علم الأعصاب الاجتماعي المعرفي والوجداني فإن تراكم الإعجابات على فيسبوك وتويتر وإنستغرام يؤدي إلى تنشيط في دائرة المكافأة في الدماغ.
ويشير الدكتور كليفورد سيجيل طبيب الأعصاب الأمريكي، إلى أن البقاء على وسائل التواصل الاجتماعي لوقت طويل يؤثر في العمليات العقلية المتعلقة بالتنظيم، ويوضح سيجيل أن وسائل التواصل الاجتماعي تميل إلى تحفيز الجهاز الحوفي المسؤول عن الاستجابات العاطفية سواء كانت جيدة أو سيئة.
في العصر الرقمي، لم تعد وسائل التواصل مجرد منصات ترفيهية، بل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل العقول وصياغة الرؤى. فالخوارزميات المصممة بدقة، والتفاعل الجماهيري المستمر، والضخ الإعلامي المتواصل كلها تلعب دورًا في توجيه الأفكار وصناعة الاتجاهات.
لكن كيف يحدث ذلك؟ وما هي الآليات التي تجعل وسائل التواصل بيئة خصبة لتشكيل القناعات؟
1- خوارزميات التوجيه وصناعة التوجهات الفكرية
تعتمد وسائل التواصل على خوارزميات متقدمة تحلل تفاعل المستخدمين وتقترح عليهم محتوى يتناسب مع اهتماماتهم.
هذا يؤدي إلى تكوين «قناعات فكرية» تجعل الأفراد محاصرين داخل دائرة من المعلومات التي تعزز قناعاتهم وتقلل من احتمالية الاطلاع على وجهات نظر مختلفة.
ونتيجة لذلك، يزداد الاستقطاب الفكري، حيث يصبح كل فرد مقتنعًا بأن ما يراه هو «الحقيقة المطلقة».
2- التأثير النفسي للدوبامين والإدمان المعرفي
كل إعجاب أو تعليق أو مشاركة على وسائل التواصل يفرز دفعة صغيرة من الدوبامين في الدماغ، مما يعزز التفاعل المستمر مع المحتوى.
هذه الآلية تجعل الأشخاص أكثر قابلية لتبني الأفكار التي تلقى رواجًا كبيرًا، حتى لو لم تكن مدروسة أوصحيحة بالكامل، ثم أن الحاجة إلى القبول الاجتماعي تدفع البعض إلى تبني الأفكار الرائجة دون تحليل عميق.
3- هيمنة المحتوى القصير والتفكير السطحي
مع انتشار الفيديوهات القصيرة والمحتوى السريع، أصبحت الأفكار تُقدم في قوالب، مختصرة ومبسطة، مما يقلل من مساحة التحليل والنقد. هذه الظاهرة تعزز التفكير السطحي وتحد من القدرة على البحث العميق والتأمل في القضايا المعقدة، مما يجعل الأفراد أكثر عرضة للتأثر بالعناوين الجذابة دون التحقق من التفاصيل.
4- التضليل، وصناعة الرأي العام
تتيح وسائل التواصل لأي شخص نشر المعلومات دون تدقيق أو رقابة، مما يجعلها ساحة خصبة للأخبار المزيفة والمعلومات المغلوطة. وعندما يتم تداول هذه المعلومات على نطاق واسع، فإنها تؤثر في قناعات الجماهير، وتساهم في صناعة رأي عام مبني على أسس غير دقيقة.
5- تعزيز النزعات العاطفية على حساب التفكير العقلاني
تلعب وسائل التواصل على العواطف أكثر من المنطق، فالمحتوى الذي يثير الغضب
أو الحماس أو الخوف يحظى بتفاعل أعلى من المحتوى التحليلي الهادئ، ونتيجة لذلك، تنتشر الأفكار العاطفية بسرعة، بينما يتم تهميش النقاشات العقلانية المتزنة.
كيف يمكن تحقيق وعي رقمي يحد من التأثير السلبي؟
- تنويع مصادر المعلومات: تجنب الاعتماد على مصدر واحد، واطلع على وجهات نظر متعددة.
- ممارسة التفكير النقدي: لا تتبنَّى أي فكرة قبل التحقق من صحتها وتحليلها بموضوعية.
- تقليل الاستهلاك السلبي للمحتوى: حدد أوقاتًا لاستخدام وسائل التواصل بوعي، وتجنب التصفح العشوائي.
- التحقق، من المعلومات:
استخدم مصادر موثوقة لفحص صحة الأخبار والمعلومات المتداولة.
ختامًا.. يمكن القول بأن تأثير استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في أدمغة المستخدمين يتوقف على العديد من الاعتبارات، من أبرزها مدة وطبيعة الاستخدام والإشباعات المتحققة للفرد منها.
فهي، سلاح ذو حدين؛ فهي توفر فرصة للتعلم والتواصل، لكنها أيضًا قد تصبح أداة لصياغة العقول بطرق غير واعية. الوعي الرقمي والنقد البناء هما مفتاح التعامل الذكي مع هذا الواقع، لضمان أن نكون صانعي أفكار لا مجرد متلقين سلبيين.