نجلاء العتيبي
حين تكتسي الأرض بحُلَّةٍ من النور في ليالي رمضان، ويزداد المسجد الحرام تألقًا برُوَّاده، تتجلَّى قيم العطاء في أبهى صورها.
هناك، وسط أفواج المعتمرين الذين تتقاطع طُرُقهم بين السعي والطواف تقف قوافل الكشَّافة متأهِّبة تُقدِّم يد العون بإخلاص نادر. 11800 ساعة تطوعية خلال عشرة أيام فقط، ليست مجرد أرقامٍ، بل نبض حي يروي قصة تفانٍ لا تحدُّه حدود.
العمل التطوعي في مثل هذه البقاع المقدَّسة ليس مجرد جهدٍ يُبذل؛ إنها رسالة تتجاوز الأفعال إلى ما هو أعمقُ، حيث يصبح التوجيه خريطة طريقٍ، والمساندة رحمة تسند خُطى المتعبين.
295 كشافًا لم يكونوا مجرد أفرادٍ يرتدون زيًّا موحدًا، كانوا نجومًا تضيء في سماء خدمة الآخرين تحمل في ثناياها بوصلة الإنسانية التي لا تعرف التردُّد.
في زحمة الطائفين، حين تشتدُّ الحاجة إلى مَن يدلُّ التائهين أو يُعين كبار السن على متابعة مناسكهم؟ ينبري الكشافون بكل هدوء يختصرون المسافات ويفتحون الدروب.
أفعالهم تروي الكثير؛ نظرة ممتنَّة من حاجٍّ ضلَّ طريقه أو دعوة خالصة من معتمر وجد المساعدة دون أن يطلبها تروي عطش أرواحهم التي اختارت أن تكون سندًا للآخرين.
هذه الساعات التطوعية ليست مجرد وقتٍ يمضي، إنها لحظات تُسجّل في ميزان البر، حيث لا يُنتظر مقابل، ولا يُطلب شكرا.
في تلك الساحات المباركة تُزرع معاني البذل الخالص؛ ليحصد العالم من بعدها دروسًا في التفاني.
ورغم أن خدمة المعتمرين شرفٌ بحدِّ ذاته إلا أن انعكاسها على المتطوعين أنفسهم أكثر عمقًا.
ليست مجرد تجربةٍ، بل هي رحلة تصقل النفوس، تُهذِّب الأرواح، وتُعيد تشكيل الوعي بمعنى العطاء الحقيقي.
هؤلاء الشباب لا يوجهون الآخرين فقط إنهم يعيدون توجيه ذواتهم نحو معانٍ أسمى.
حيث يصبح الفعل النبيل عادةً، والمبادرة إلى الخير نهجًا لا يُفارقهم.
إن ما يقومون به يتجاوز حدود الإرشاد والمساندة، فهم ينسجون خيوط التآزر بين البشر، ويعيدون تعريف معنى الأخوَّة في الدين والإنسانية.
وحين ينقضي الشهر الفضيل تبقى آثار أقدامهم شاهدة على دربٍ سلكوه، لم يكن طريقًا معبَّدًا بالرخام فقط، بل بالمحبة الصادقة والرغبة في أن يكونوا جزءًا من الخير الممتد بلا انقطاعٍ.
في كل لحظة يُمدُّ فيها يد العون يُكتب فصل جديد من قصص النبل، وتُغرس قيمة ستنمو يومًا لتصبح شجرة وارفة تُظِلُّ الأجيال القادمة.
هؤلاء الكشافة لم يكونوا مجرد مساندين، ولكن كانوا رسلًا لقيمٍ ساميةٍ يذكرها المكان قبل الإنسان، ويحفظها التاريخ كما يحفظ أثر الماء على الصخر.
ضوء
هم جنود للإنسانية، يثبتون أن العطاء لا يحتاج إلى منصبٍ، ولا إلى مقابلٍ، إلى قلب يرى في خدمة الآخرين أعظم غاية.
فشكرًا لهم بقدر ما بذلوا، وبقدر ما زرعوا في نفوس المعتمرين من راحةٍ وأمانٍ.