ظن الملائكة الكرام، عليهم السلام، أن تسبيحهم وتقديسهم لله تعالى كاف عن الخلافة في الأرض، فكشف الله لهم أن المهمة ليست كذلك، لأنها مهمة العمران بالكدح والأعباء، فقد انتدب لها عباده المؤمنين من بني الإنسان وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُم خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُم فَوقَ بعض دَرَجاتٍ ليُعمروها هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعمَرَكُم فيها ويُؤدوا أمانتها إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأمانات إلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحكموا بالعدل.
إن أعظم الأمانات هي الأمانات المتعدية الخارجة عن حدود النفس والأسرة إلى المجتمع بأكمله، ولأن قيادة هذه البلاد قد أيقنت أن أوسع الأمانات التي استأمنها الله عليها هي الحرمان الشريفان، وأن درجة العناية بهذه الأمانة العظمى أوسع بكثير من معاني السدانة والسقاية والرفادة والوفادة والحماية والتطهير، فلم تجد معنى يسمو على هذه المعاني ويستوعبها أكثر وأولى من معنى الخدمة، فاختارت بلادنا أن يكون قائدها الأعلى هو خادم الحرمين، وهذا يعني أن كل من دونه يجب أن يكونوا خُدامًا للأمانة التي استأمنهم عليها الخادم الأعلى.
وانطلاقا من فهمي لدلالة هذا التوجه الوطني السعودي الأصيل، اخترت منذ أن شرفتني قيادة وطني بالعمل أميرا لمنطقة عسير أن أكون «أميرًا خادمًا»، وكيف لا أكون خادما لأعلى أماناتي وهي منطقة عسير، وقيادتي التي حملتني هذه الأمانة جعلت نفسها خادمة لأعلى أماناتها وهما الحرمان الشريفان؟
ونظرًا لعمق هذه النظرة، واستقامة منطقها، وشرف اعتناقها، فقد انتهجها فريق العمل في عسير، في السر والعلن، مُحَصَّنًا برباعية القيم وأمهات الأخلاق «الصدق والتسامح والانتماء والانضباط»، لأن هذا هو السبيل الأوحد لاكتساح الآفاق واستحقاق العالمية.
فأصبحت صفة الخادم لازمةً لكل من يخدم المواطنين، أثيرة في قاموس روحه ومعجم عمله. فلا يستقيم أن يكون الخادم - صادقًا مُتسامحا منتميا ومنضبطًا - وهو يناقض مفهوم الخدمة، ولو بممارسات صغيرة، كأن يخص نفسه بما يظهر تميزه عليهم بأماكن الجلوس أو التكريم، أو لا يقف بنفسه على حاجاتهم، لأن كمال هيبته وقدره كامن في مدى إسعاده لهم. فكلما خفض خادم المواطنين جناح الرفق والرحمة والتواضع لمن استؤمن على رعايتهم، كلما ارتقى في معارج الشرف والهيبة والسؤدد. وتعانقت في أعماقه القيمتان الساميتان.. لتنتجا مركبا فريدًا أسميه «سيادة الخدمة».
** **
بقلم/ تركي بن طلال بن عبد العزيز - أمير منطقة عسير