مشعل الحارثي
ونحن نعيش أيام وليالي شهر رمضان الكريم الذي خصه وميزه الله بنزول القرآن وجعله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، بل وجعل تلاوته وتدبر آياته الى جانب الصوم وأداء الصلوات وسائر العبادات من أفضل متطلبات وخصائص هذا الشهر العظيم.
ونذكر هنا أن من بركات وفضل هذا الكتاب الكريم أنه ليس كتابا للتعبد فقط، بل هو كلام الله سبحانه وتعالى، وكتابه المعجز الذي جمع كل صنوف العلم والحكمة والأدب والمثل العليا، وأنه شفاء للقلوب وراحة للنفوس وشفاء للكثير من الأمراض الحسية والمعنوية، وكما قال الحق تبارك وتعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}، وقوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} وقول الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم- (خير الدواء القرآن).
وتعريف لفظة الشفاء كما وردت في معاجم اللغة هو الدواء الذي يبرئ من السقم، والجمع أشفيه، وأشافٍ جمع الجمع، واستشفى فلان طلب الشفاء، وقد عرف العلامة أحمد بن فارس القزويني (الشفاء) بأنه يدل على الإشراف على الشيء، فيقال أشفى على الشيء إذا أشرف عليه، وسمي الشفاء شفاء لغلبته على المرض واشفائه عليه.
ويوم بعد آخر، تثبت الدراسات الطبية والعلمية والاكتشافات الحديثة قدرة القرآن على الشفاء لكثير من الأمراض، فقد ذكرت دراسة حديثة بمعهد الطب الإسلامي للتعليم والبحوث بالولايات المتحدة الأمريكية أن سماع الإنسان للقرآن يعمل على تنشيط الجهاز المناعي للإنسان، وأن 97 % ممن أجريت عليهم عينة الدراسة من مسلمين وغير مسلمين يتحدثون باللغة العربية أو غيرها من اللغات الأخرى ظهرت عليهم جميعاً تأثيرات وتغيرات في الأجهزة العصبية مما أدى إلى تخفيف درجة التوتر وشعورهم بالطمأنينة والراحة والسكينة.
وقد سبق للدكتور أسامة الراضي -رحمه الله- أحد رواد الطب النفسي بالمملكة أن انتهج علاج مرضاه بالقرآن في عيادته الخاصة بالطائف، ووجد من خلال الدراسة والبحث أن تلاوة القرآن تهدئ من الاضطرابات النفسية وتساعد على إعادة التوازن النفسي للإنسان.
كما رصد المجمع الطبي الإسلامي العالمي العديد من الفوائد لقراءة القرآن ومنها تنشيط الذاكرة، وتنظيم ضربات القلب، وتقوية الحبال الصوتية وعذوبة الصوت، وتخفيض ضغط الدم، وتقوية عضلات الفكين، والتخلص من الهموم.
وقبل عدة سنوات توصل قسم البحوث الحيوية بالمركز القومي للبحوث بالقاهرة إلى اكتشاف قطرة تعالج تعتم عدسة العين عندما تأمل الباحث قصة سيدنا يوسف عليه السلام وقميصه الذي أعاد البصر لوالده سيدنا يعقوب عليه السلام، وليثبت بالبحث والدراسة والتجارب العلمية بأن عرق الإنسان الذي يترك أثراً في ملابسه به مادة تعالج العين تتكون من (25) مادة عضوية.
ولو تأملنا أيضاً ما جاء به القرآن من الإعجاز الطبي الوقائي الذي يهدف لسلامة الروح والجسد المتمثل في الفوائد الصحية لصيام شهر رمضان، وتناول عسل النحل وزيت الزيتون وغيرها، وفي الجانب الآخر تحريم شرب الخمور والمسكرات وأكل لحم الخنزير لما يترتب على تناولها من أضرار بالغة التأثير على صحة الإنسان.
وأخيراً بقي أن نشير أنه ومع يقيننا التام بأهمية وفضل القرآن الكريم وأن الله هو الشافي والمعافي من خلال اتخاذ الأسباب الطبيعية للشفاء في طلب الدواء وطرق أبواب الطب الحديث ومنجزاته اللامحدودة، وكما قال المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام: (تداووا عباد الله فإن الله جعل لكل داء دواء)، وقوله: (إنما الشفاء في ثلاث: في شربة عسل أو شرطة محجم أو لذعة بنار)، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم- يأمر أصحابه بالتداوي ويقول لبعض أصحابه اذهبوا إلى الحارث بن كلدة الثقفي (وهو طبيب مشهور من الجاهلية)، وكل ذلك في طلب الدواء والاستشفاء، ويجب ان يتوازى مع أهمية الدعاء والاستعاذة وقراءة الاذكار والرقى الشرعية الواردة في السنة النبوية وطلب الشفاء من الله وبشرط أن لا تتجاوز ذلك وتنحرف إلى طلب الشفاء بالكهانة والتمائم والبدع والخرافات، ولأن كلام الله يظل دائما وأبداً هو الكلام المعجز في كل زمان، وتتطابق مع آياته كل الحقائق والاكتشافات العلمية الحديثة.