نجلاء العتيبي
في زحام الحياة؛ حيث تتسارع الخُطى وتتعالى الأصوات، هناك أصوات قليلة تستطيع أن تنساب إلى أرواحنا فتبعث فيها سكينة لا تُوصَف.
أحد هذه الأصوات، ذلك الصوت العذب الرخيم الذي طالما صاحَبَنا في لحظات التقرُّب إلى الله، صوت د. حسين نجار الذي يحمل بين نبراته خشوعًا نادرًا، ويُوقظ في القلب شعورًا يتجاوز حدود الكلمات.
حين يقترب أذان المغرب، ويبدأ صوته يتهادى عبر الأثير، نشعر وكأن العالم يتوقَّف للحظاتٍ، وكأن كل شيء حولنا يهدأ ليستمع لهذا الدعاء الذي ينساب كجدول رقراقٍ، يروي عطش الأرواح قبل أن تُروَى الأجساد بقطرات الماء.
ليس مجرد صوتٍ؛ بل إحساس يتغلغل إلى الأعماق، يُشعل فينا معاني الرحمة، ويدفعنا إلى التأمُّل في نِعم الله التي تغمر حياتنا.
قُبَيل الإفطار، يكون للوقت طابع مختلف، حيث تختلط مشاعر الجوع بالتلهُّف للرحمة والمغفرة، ويصبح للدعاء وقعٌ أعمق.
حين يُرفع صوت الدكتور حسين نجار بالدعاء؛ نشعر أن الزمن قد تباطأ، وكأن الكون بأسره أصغى لهذه الكلمات التي تفيض تضرعًا.
إنها لحظة يسكُنُ فيها الضجيج الداخلي نُعيد فيها ترتيب قلوبنا، فنجد أننا لم نكن بحاجةٍ إلى الطعام بقدر حاجتنا إلى هذا الإحساس بالرضا والطمأنينة.
ما السر في هذا التأثير العجيب؟ إنه ليس مجرد حسن الصوت، بل تلك المشاعر التي تحملها نبراته، وكأن كل حرف يخرج من أعماق قلب خاشع.
إنه الدعاء الذي يحمل في طيَّاته رجاء العابدين، وتذلُّل المحتاجين، وطمع المتعلقين برحمة لا تنضب.
في تلك اللحظة، نشعر أن المسافة بين الأرض والسماء قد تقلَّصت، وأن أرواحنا قد أزهرت تحت ظلال الرجاء.
نعم لديَّ عادة لا تُستبدل قدر المستطاع…
الحرص على سماع دعاء الإفطار بصوت د. حسين نجار ليس تكرارًا لمجرد طقس رمضاني، بل هو عادة تتجدَّد مع كل مغرب، بين الصوت والروح، توقظ في النفس إحساسًا عميقًا بقيمة اللحظة كأنها محطة يومية تنقينا من صخب الحياة.
إنه صوت يحمل في طيَّاته حنينًا لأزمنة مضتْ، ورهبة من يوم قادم، واستبشارًا بغدٍ يحمل رحمات جديدة.
هناك أصوات تسكن الذاكرة، لا تَبلى مع الزمن؛ لأنها ارتبطت بمواقف لا تُنسى.
صوت د. حسين نجار من تلك الأصوات التي تتجاوز الأُذن لتصل إلى القلب مباشرة، وكأنها جزء من نسيج الروح.
مع كل مرة نسمعه نستعيد لحظاتٍ كانت جزءًا من طفولتنا من ليالي رمضان التي جمعت الأحبة من أجواء السعادة التي كنا نشعر بها ونحن ننتظر موعد الإفطار بلهفة الصائم المترقب.
ذلك الصوت الجميل يحمل سرًّا لا يُفسَّر، كأنه جدول رقراق، كلما أصغينا إليه غمرنا شعور أعمق بالسلام.
في عالم متسارع تتلاطم فيه الأصوات…
نحن بحاجة إلى لحظاتٍ تمنح أرواحنا سكونًا عميقًا، إلى كلمات توقظ فينا إحساسًا بما هو أبعد من مشاغل الحياة، إلى أصوات تُذكِّرنا بأن رحمة الله تعالى واسعةٌ وأقربُ مما نظنُّ، وأن أبواب القبول مُشرَّعة لمن يطرقها بيقينٍ.
صوت د. حسين نجار ليس مجرد نداء…
إنه عبور إلى مساحة من الصفاء والهدوء
لمن يستمع إليه بقلبه قبل أُذنه.
ضوء
من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلمُ به مني، اللهم اغفرْ لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيء قدير».