د. أحمد محمد القزعل
بداية، إن العلاقات بين الشرق والغرب تعود إلى ما قبل ظهور الإسلام، حيث كانت هناك تفاعلات اقتصادية وسياسية وعسكرية، ومع ظهور الإسلام ازداد الاحتكاك بين العالمين مما أدى إلى انتقال الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا، حيث أسهمت في فتح آفاق جديدة للمعرفة والتقدم وقد ظلت أوروبا تستفيد من الحضارة الإسلامية حتى ما بعد سقوط الأندلس عام 1492م، وفي إطار الحوار المتوازن مع الآخر اليوم لا نسعى لأخذ كل ما يقدم لنا ولا نؤيد الرفض المطلق له، بل ندعو إلى التعامل معه بمنهجية علمية دقيقة تعتمد على التمحيص الموضوعي والمنهج الفكري المعتدل الدقيق.
حقيقة، فإن ثقافة الحوار مع الآخر لها أهمية كبيرة في عديد من الجوانب، فهي تسهم في فهم الآخرين واحترام وجهات نظرهم، وتعزز السلام الاجتماعي وتشجع على تحقيق التنوع والتعددية، حيث إن تسامح الأفراد مع بعضهم يقلل من النزاعات والصراعات ويؤدي إلى قبول الاختلافات الثقافية والدينية والفكرية داخل المجتمع، مما يسهم في خلق بيئة سلمية وآمنة ويثري المجتمع ويجعله أكثر تنوعا وإبداعا، ومما لا شك فيه أن الأفراد الذين يعيشون في مجتمعات متسامحة يتمتعون بصحة نفسية أفضل لأنهم يشعرون بالقبول والاحترام.
ومن أهم شروط نجاح الحوار مع الآخر هو البدء بالقضايا المتفق عليها كالوحدة الإنسانية والقيم الأخلاقية، وبيان القواسم المشتركة بين الشعوب الإنسانية جميعا، حيث أكد القرآن الكريم على أن أصل بني البشر واحد وأنهم متساوون في الإنسانية والحقوق، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13).
ولا بد من التركيز أثناء الحوار مع الآخر على الجوانب الإيجابية والاعتماد على شهادات علماء أوروبا فيما ذكروه عن الإسلام والحضارة العربية الإسلامية، بدلا من التركيز على الجوانب السلبية لصورة العرب في الغرب، حيث يقول جوستاف فون جروينباوم: «ليس ثمة ميدان من ميادين الخبرة الإنسانية لم يضرب فيها الإسلام بسهم، ولم يزد ثروة التقاليد الغربية فيها غنى»، ويقول ول ديورانت: «لقد كان المسلمون هم الذين قادوا أوروبا إلى حضارة الإنسان الراقية، وأخرجوا القارة من ظلمات العصور الوسطى، إن هذه الحضارة التي صنعوها أثرت في الغرب تأثيرا لا ينسى»، ويقول إرنست رينان: «إذا أردنا أن نعرف كيف انتقلت الإنسانية من عصور الجهل إلى عصور العلم، فعلينا أن ندرس الحضارة الإسلامية التي حفظت معارف العالم القديم وطورتها»، ويقول غوستاف لوبون: «إن حضارة العرب والمسلمين كانت من أروع ما عرف التاريخ، وإن العلم والدين كانا يسيران في العالم الإسلامي جنبا إلى جنب ولم يحدث هذا في أي مكان آخر».
ومن نافلة القول: من الأهمية الإقرار بالتبادل الحضاري واحترام إنسانية الشعوب والإقبال على الآخر بروح جديدة أساسها العلمية والموضوعية، بعيدا عن سياسة قلب المفاهيم والاستنتاجات الخاطئة، والعمل على إقامة المؤتمرات واللقاءات والتركيز على الجوانب الإيجابية أثناء الحوار مما يعزز ثقافة التسامح والتعايش السلمي بين جميع الأديان والثقافات الإنسانية، هذا وإن ثقافة التسامح تشكل حجر الزاوية في بناء مجتمع متماسك ومزدهر فهي تفتح الأبواب أمام التفاهم والتعايش السلمي بين الأفراد المختلفين، وتخلق بيئة يسودها الاحترام المتبادل والتقدير للتنوع وتجاوز الخلافات والصراعات والعمل معا لتحقيق مستقبل أفضل للجميع.