د. سمير محمود
في طفولتي كنت أظل مستيقظًا طوال الليل وحتى الصباح لاستقبال العيد، فقد ظننته شخصًا يأتي حين سمعتهم يقولون «جاء العيد»، ومن وقتها أبحث عن فرحة العيد بالسؤال والتأمل: هل العيد يتمثل في فرحة أطفالنا.. أحلامنا التي تتحرك أمامنا على الأرض؟ هل هو دعوة أب وحضن أم؟ أو هو الملابس الجديدة ومعها العيدية؟ هل هو السفر والتنقل لزيارة أماكن جديدة؟ أو شعور الأمان والطمأنينة في ربوع الوطن؟
تشعر بأجواء العيد مع الأطفال بألعابهم وبالوناتهم الملونة، هنا وهناك، وتسعد بدفء التواصل في الجلسات العائلية، وأصوات التكبيرات في كل مكان.. ربما يكون العيد هو كل ذلك!
نحن البشر أصل العيد وجوهره، في صمتنا وكلامنا، في ضحكنا وفرحنا، حتى في حزننا وبكائنا؛ وليس العيد بالطبع مجرد صور متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام القديمة، تعكس هذه المشاعر والتفاصيل، ولا هو صورنا في المقهى والمطعم، مع فنجان قهوة لعلامة تجارية معروفة، ولا هو ملصقات تهنئة جافة يتم مشاركتها مئات المرات، ولا هو رسالة جاهزة موجهة لكوكب الأرض وكل معارفنا بمجموعات الواتساب.. فهذه الرسالة إن راقت للكبير فربما لا تناسب الصغير، وإن ناسبت السليم المعافى فربما لا تناسب المريض العليل، وإن فرح بها الميسور الحال، فربما لا تناسب من رقَّ حاله، وبات بحاجة إلى كل يدٍ تمتد له بالمساعدة، أكثر من احتياجه إلى ملصقات الورد والألوان والتهاني!
يختلف الشعور بالعيد حين يهل للمرة الأولى على أسرة فقدت عائلها أو أحد أفرادها، وبخاصة الأم، نور العيون التي تظلم بغيابها الدروب والشوارع والبيوت، رحم الله من غادرونا، ليسكنوا قلوبنا وعقولنا وأفكارنا وأحلامنا!
وهو العيد لأنه يعود لنا كل عامٍ بثوب جديد؛ فقد نراه في انقضاء محنة وبدء منحة، مكافأة للصبر، وشفاء بعد مرض، ولقاء بعد غياب، وصال بعد قطيعة، أو في عودة غائب، أو نجاح ابن أو زواج ابنة، أو إنجاز تحقق، تلك خلطة السعادة التي يصنعها العيد بصحبة العائلة والأصدقاء والجيران.
طوال العام، كثيرًا ما تحرمنا ظروف الحياة من متعة تجمُع الأسرة حول المائدة معًا لتناول الفطور، لكن فطور العيد غير؛ لا يحلو إلا باللمة التي تشبع فيها من ضحكات الصغار وأحاديث الكبار وذكرياتهم التي لا تنتهي!
وكما أن للعيد طعمًا ورائحة وصوتًا خاصًا للتهاني والتبريكات والدعوات بقبول الطاعات، فله أيضًا صور تنشر أجواء من البهجة، في لقاءات معايدة الجيران وأهالي الحي والمناطق المجاورة، وفي الزيارات العائلية، وفرحة الأطفال في الصباح، والتجمعات الاحتفالية بالساحات العامة في المساء.
في هذا العيد وفي كل عيد، لا تحرم نفسك من الاستمتاع بطعم البيوت ورائحة الأماكن وذكرياتها، خاصة بيوت الأهل القديمة حيث طفولتنا الأولى، دعكَ من الصور فالواقع أجمل دائمًا، انطلق تصحبك السلامة واستمتع بالعيد وأفراحه؛ ولا تكتفِ بالفرجة عليه من شاشة جوالك.. عيدكم مبارك وعساكم من عواده!
** **
- كاتب صحفي مصري