مرفت بخاري
تمضي الأيام، وتتغيّر الوجوه والأماكن، لكن تبقى المشاعر خيطًا يربط حاضرنا بماضينا. أحيانًا، نجد أنفسنا نشتاق إلى أيام خلت، حيث كانت الأحاسيس نقية، واللحظات أبسط، وكأن الماضي كان لوحة مرسومة بألوان أهدأ من ضجيج الحاضر. لكن هل كان الماضي أجمل حقًا، أم أن ذاكرتنا تختار ما يليق بالحنين؟
في المقابل، يمنحنا الحاضر فرصًا جديدة لفهم مشاعرنا، لتطويرها أو حتى لإعادة صياغتها وفق تجاربنا. فبين دفء الذكريات ومتغيرات الواقع، هل نحن أسرى للماضي، أم أننا نعيش لحظتنا بكل ما فيها من أمل وحسرة؟
وهل نشعر بالرضا بما وصلنا له من مكانة اجتماعية ونفسية وعائلية؟
ماذا لو كنا نسير في اتجاه لا يشبهنا وبعيداً جداً عن طموحنا، كثيرة هي الأسئلة التي تتصارع في مشاعرنا لكي نشعر بأننا في اتجاهنا الصحيح ولعل أكثر ما ينصف نبضاتنا شعورنا الجيد تجاه التغيّرات التي تمر بنا، من وجهة نظري المتواضعة أرى أن الحياة مسرحية من عدة فصول أبطالها متغيرون وأهدافها متغيرة وكل فصل جديد يكمل ما سبق من فصول، والمحور الثابت في هذه القصة أعوامنا التي تحسب ما عشناه من قصص.
وفي خضم هذه المسرحية المتغيِّرة، هناك أبطال رحلوا عن المشهد، بعضهم اختار الانسحاب بصمت، وآخرون أُجبروا على المغادرة دون أن يكون لهم رأي في ذلك.
ورغم اختلاف الأسباب، يبقى الرضا هو العنصر الوحيد الذي يمنح أرواحنا السلام وسط هذا التغيير المستمر. فالمعارك التي نخوضها ليست دائمًا بأيدينا، ولكن قدرتنا على تقبّل الأقدار تجعلنا أكثر انسجامًا مع الحياة، مهما تبدلت الأدوار وتغيَّرت الفصول «يجب أن ندرك جيدًا أننا بذلنا كل ما في وسعنا للمحافظة عليهم، ولم نفرِّط بهم كما قد يظن البعض. فالحياة لا تكرمنا بالنبلاء مرتين، ومن اختار الرحيل برغبته عليه أن يدرك أن الفرص لا تتكرر، وأن الحياة تجود بأجمل ما لديها مرة واحدة. لذا، لا تستهلك مشاعرك مع من رأى سعادته بعيدًا عنك، ولا تندم على خسارتهم، فبعض الخسارات ربح.. وليت قومي يعلمون.
وفي النهاية تبقى الحياة رحلة من الفصول المتبدلة، نلتقي فيها بأشخاص يتركون بصمتهم، وآخرين يعبرونها كالعابرين. بعضهم يختار البقاء، وبعضهم يختار الرحيل، وبين هذا وذاك، نتعلَّم أن القيمة الحقيقية ليست في من يبقى بجانبنا فقط، بل في من يستحق البقاء. فلا ترهق قلبك بالركض خلف من اختار الابتعاد، ولا تحزن على صفحات طُويت بإرادة أصحابها، فالحياة تمضي، ولا تمنح أجمل ما لديها مرتين. ولعل أعظم انتصار هو أن تجد نفسك في المسار الذي يليق بك، بعيدًا عن الأدوار الزائفة، وأقرب إلى ما يشبهك حقًا.