بدر الروقي
ثمَّةُ أشياء نعترفُ بتقصيرنا عندما نريد الكتابة عنها، أو التعبير فيما نكنَّه نحوها؛ لما لها من مكانةٍ عظيمة، وأثر إيماني راسخ.
ولستُ أدري أي - باب - سيسعُ أقلامنا وهي تهم بالدخول لعالمها الفاضل وأثرها العابق.
وأي - نافذة- ستستوعبها أفكارنا حينما تُطِّلُ من خلالها على تاريخها العريق والممتد قروناً من الروحانية والسكينة.
المساجدُ قناديلُ الأرض، ومجاميعُ الفرح، ومنطقةُ الدفء والأمان، والسعادة والاطمئنان لأهل الحي، وجماعة المسجد.
فيه يجتمعون على قلب رجل واحد، ولغاية واحدة، متراصين باعتدال، ومستوين بامتثال {كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} (4) سورة الصف.
وحينما نبحثُ عن المعنى الأشمل، والمقصد الأسمى، والمغزى الحقيقي لكلمة «مساجد» فلن نجد أفضل ولا أدق من قوله - سبحانه وتعالى- في سورة النور: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} (36) سورة النور.
إنَّ الترابطَ والتواشج الذي يحققه المسجد، والعلاقات والمصالح الإيمانية التي يقيمها بين مرتاديه؛ كفيلٌ ببناء جسور من المودة والألفة والتعاضد والتآخي؛ مما يحقق مقاصد الشرع وأهدافه.
وهذا ما جسَّده محمدٌ - عليه الصلاةُ والسلام- ورسمَهُ كفكرة حيَّة، ومشهد مباشر.
يُعرض ويبث تطبيقياً أمام كل من وقع أسيراً في أحد سواري مسجده، فيستقر الإسلامُ في قلبه، وتشرئب نفسه لهذا الدين العظيم؛ وهو يرى هذه الدقَّة في الحضور والاصطفاف، والتوافق والتماثل في الأداء، وتقديس المكان والزمان، والالتزام التام بالزَّي واللباس.
ثمامةُ بن أثال - أمير- اليمامة أحد أولئك الأسرى الذين أدهشتهم تلك المعاني العميقة التي يعيشها أهل المسجد، وينهلون من معينها العذب الذي يفيض خشية وإنابة.
فما وقعَ أمام عينه من انتظام بشري وانسجام روحي، وتوافد ومسارعة لنيل السبق خلال فترة أسره؛ سرَّع بدخوله للإسلام وإعلانه التوبة.
هكذا هي قيمة المسجد، وتلك هي رسالته التي تنطلق من مبدأ حفظ النفس، وتعزيز ثقافة طهارة البدن والروح، ونشر العلم والاهتمام بالتربية، والقيام على التعاون بين أهله وجماعته كأسرة واحدة؛ تعزز دور المسؤولية الاجتماعية وتنميها وتحافظ عليها، وترتقي بها، وتصدرها للعالم كافة.
مبتعدين عن كل ما يخل - بتنزيه - المسجد: من رفع الصوت، والمشاحنات، وإنشاد الضالة، والغوغاء، والضجيج، وعدم المحافظة على أخذ الزينة عند قصده؛ لئلا تفقد مساجدنا جوهرها وهيبتها.