تغريد إبراهيم الطاسان
يأتي العيد محمّلًا بالفرح والبهجة، لكنه يحمل في طياته أيضًا معنى أعمق يتجاوز الاحتفال بالمناسبة، إذ يجسد العيد فرصة حقيقية لإحياء الاجتماع العائلي، ذلك اللقاء الذي يعيد للقلوب دفئها، وللعلاقات وهجها، وللأرواح سكينتها.
في زحمة الحياة وتسارع إيقاعها، باتت الاجتماعات العائلية أمرًا نادرًا، حيث أصبحت المشاغل اليومية والالتزامات العملية والتطورات التكنولوجية تشكل عوائق غير مرئية، تُبعد أفراد الأسرة عن بعضهم البعض حتى وهم في المكان نفسه.
ومع ذلك، يظل العيد محطة تُذكرنا بأهمية صلة الرحم، تلك القيمة التي باركها ديننا وأوصى بها، فجعلها سببًا في بسط الرزق وطول العمر، كما جاء في الحديث الشريف: «من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه».
لطالما كان العيد مناسبةً تجتمع فيها العائلات، حيث تمتزج الأحاديث بالضحكات، وتُستعاد الذكريات، ويشعر الجميع بأمان الانتماء إلى هذا الكيان الدافئ. في الماضي، كان الاجتماع العائلي جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس، وكان الجميع يحرص على زيارة الأهل والأقارب دون الحاجة إلى دعوة أو تنسيق مسبق. اليوم، تغيرت الظروف وأصبح اللقاء العائلي بحاجة إلى ترتيب، بل وأحيانًا يحتاج إلى تذكير، ومع ذلك، فإن العيد يأتي ليكسر هذا الجمود، فيعيد إلينا العادات التي كادت أن تندثر، ويمنحنا الفرصة لنلتقي، ونتحدث، ونستمع إلى بعضنا البعض.
ليس الاجتماع العائلي مجرد لقاء عابر، بل هو لحظة تُعيد تشكيل الروابط، وتغذي الشعور بالمحبة، وترسّخ القيم والمبادئ التي تتوارثها الأجيال.
في حضرة العائلة، يجد الإنسان متنفسًا لهمومه، ومساحةً آمنةً لمشاركة أفراحه وأحزانه، فيدرك أنه ليس وحيدًا في هذا العالم، بل هناك من يهتم لأمره، ويسأل عنه، ويمنحه الدعم دون انتظار مقابل.
ومهما بلغت مشاغل الحياة، يبقى الاجتماع العائلي ضرورة، لا رفاهية، إذ إنه ليس مجرد تواصل اجتماعي، بل هو استثمار في علاقات تمتد جذورها إلى أعماق الروح.
ما أجمل أن يكون العيد مناسبةً لا تقتصر على التهاني العاجلة والرسائل السريعة، بل يصبح يومًا نحيي فيه ما تآكل بفعل الزمن، فنستعيد دفء العائلة، ونمنح أنفسنا فرصة للالتقاء بعيدًا عن شاشات الهواتف، ونزرع في قلوب أبنائنا حب الاجتماع، حتى يكبروا وهم يدركون أن العائلة ليست مجرد أسماء في قائمة جهات الاتصال، بل هي حضن ممتد ودعاء صادق وروابط لا تنفصم.
العيد لا يكتمل إلا باجتماع العائلة، فليكن هذا العيد فرصةً نجعل منها عادة، لا استثناءً، حتى تبقى العلاقات حيةً، متجددةً، ومليئةً بالحب الذي لا تعوضه كلمات العيد المكتوبة، ولا الاتصالات السريعة، ولا حتى الهدايا الفاخرة. كل عام وعائلاتنا أقرب، وأرواحنا أكثر دفئًا، وأيامنا مليئة بلحظات اللقاء التي لا تُقدّر بثمن.