د. فهد بن أحمد النغيمش
كلمة (العيد) وحدها كافية أن تبعث في النفوس سروراً وسعادة، وتكسب سامعها فرحاً وبهجة وأنساً فكيف إذا كان العيد يأتي بعد انتهاء شهر عبادة وطاعة وتوفيق الله وعونه على ما يسر من الطاعة في شهر رمضان، حيث كانت تلك الأيام الغرّ والليالي الزُّهْر مُتَنـزل الرحمات والنفحات، فكم تلجلجت الدعوات في الحناجر، وترقرقت الدموع في المحاجر، وشفت النفوس ورقت ورفعت أيديها بأنواع الدعاء وهي تعلم أن رباً لها قد وعدها بالإجابة، فحُقَّ لتلك النفوس أن تفرح بنعمة الله بعد برنامج إيماني مكثف.. صامت فيه الأنفس شهراً وقامت فيه الأجساد ليلاً وتصدقت ودعت وأذعنت لربها (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).
هذه حكمة العيد التي أرشد إليها نبي الرحمة - صلوات ربي وسلامه - قال أنس - رضي الله عنه -: «قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر.
قال العلماء: «إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين»، لذا إظهار السرور في العيدين مندوب، وأن ذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده بل هو من العبادة التي يتعبد بها العبد ربه!.
يبين ذلك خبر عائشة - رضى الله عنها - حين قالت: «دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي جاريتان تغنّيان بدفّين بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش، وتسجّى بثوبه، وحول وجهه إلى الجدار، وجاء أبو بكر فانتهرهما، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكشف النبي وجهه، وأقبل على أبي بكر، وقال: دعهما، يا أبا بكر إن لكل قومٍ عيداً وهذا عيدنا».
ومن مشاهد السرور بالعيد بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فعله الحبشة، حيث اجتمعوا في المسجد يرقصون بالدرق والحراب، واجتمع معهم الصبيان حتى علت أصواتهم، فسمعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إليهم، ثم قال لعائشة: «يا حُمَيْراء أتحبين أن تنظري إليهم، قالت: نعم، فأقامها - صلى الله عليه وسلم - وراءه خدها على خده يسترها، وهي تنظر إليهم، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يغريهم، ويقول: دونكم يا بني أرفدة، لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني بعثت بالحنيفية السمحة».
فهذه مشاهد الفرح بالعيد ومظاهر السرور والبهجة تقام بين يدي سيد البشرية وقائدها - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرها ويحتفي بها، ومع ذلك هناك من يتجاوز هذا الهدي النبوي المنير فيقتل الفرحة ويحاول أن يطمسها من الشفاه ويضيق على مشاعر الناس، وكان ذلك يصدر في السابق من بعض الزُهّاد والعُبّاد، فروي عن بعضهم أنه رأى قوماً يضحكون في يوم عيد، فقال: «إن كان هؤلاء تُقُبِّلَ منهم صيامهم فما هو فعل الشاكرين، وإن كانوا لم يُتَقَبَّلْ منهم فما هذا فعل الخائفين»، وكان بعضهم يظهر عليه الحزن يوم العيد، فيقال له: إنه يوم فرح وسرور، فيقول : إنه لا يدري هل قُبِلَ صومه أم لا؟، ولئن صدر هذا من عُبّاد وزُهّاد عن حسن نية، فإن مثله يصدر اليوم من بعض الغيورين وعن حسن نيةٍ أيضاً، فيجعلون الأعياد مواسم لفتح الجراحات، والنُّواح على مآسي المسلمين، وتعداد مصائبهم، والتوجع لما يحل بهم، أو لتذكر موتاهم ومؤانستهم وتعكير مزاج المتعيدين وينسون قوله - عز وجل - ممتناً على عباده «وأنه هو أضحك وأبكى»، ويتناسون أن لكل مقام مقالاً، ولكل مناسبة حالاً، وأن حزنهم ومخالفة هدي نبيهم - صلى الله عليه وسلم - في الفرح بالعيد لن يرجع لهم مجداً ولن ينصر قوماً ولن يعيد مفقوداً أو ميتاً، ولو أنا قتلنا كل فرحة، وأطفأنا كل بسمة، ولبسنا الحزن، وتلفّعنا بالغم، وتدرعنا بالهم ما صفت لنا الحياة ولا أدخلنا السرور على ذوينا وأهلنا ومجتمعاتنا.
إن شريعتنا سمحاء جميلة لطيفة لا عبوس فيها ولا ضجر ولا حزن وهدي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أجمل هدي وأرقى تعامل وأهذب سلوب فقد كان يستعيذ بالله من الهم والحزَن، ويعجبه الفأل، دائم البشر، كثير التبسم.
إننا بحاجة إلى أن نجعل أعيادنا فرصة لضخ الأمل في قلوبٍ أحبطها اليأس، وأحاط بها القنوط، وتبدّت مظاهر اليأس في حياتها فافرحوا بالعيد وأفرحوا من حولكم وليكن في غير معصية ولا إسراف، ففي ديننا من المباحات غنية عن غيرها من المخالفات.