عبدالعزيز صالح الصالح
في هذه المناسبة الجميلة وقف الشَّاعر العملاق - أبو الطيب المتنبي مبتدئاً قصيدته المشهورة بقوله:
عيد بأية حال عدت يا عيد
بما مضى أم بأمر فيه تجديد
تحل تلك المناسبة العظيمة في ظل النفحات الإيمانيَّة المباركة بعد شهر الخير والرحمة والمغفرة والعتق من النار على الأمتين العربيَّة والإسلاميَّة قاطبة،عيد الفطر المبارك؛ فهي مناسبة جليلة بما تحتويه من آثار تربوية نافعة للفرد والمجتمع برمته وتعتبر هذه الشعيرة الإسلاميَّة جامعة لمعاني الأخوَّة، والترابط، والتكاتف بالمعاني الحقيقيَّة، ولهذا فرضه الله عزَّ و جلَّ على المسلمين قاطبة (بعيدي الفطر والأضحى) بمعنى أن الاحتفال بهاتين المناسبتين فرض كفاية على الأمة الإسلاميَّة، فهي مطالبة بالقيام بهما تعبداً وتقرباً إلى الله سبحانه وتعالى..
فقد أثبتت الدَّراسات الحديثة المتعدِّدة بأن المرء بطبيعته مخلوق لا ليعمل ويفكر وينتج فقط بل ينبغي عليه أيضاً كجزء من تركيبه الإنسانيِّ أن يحتفل ويمرح ويشارك إخوانه بكل يسر وسهولة فهي تعمق النفس البشريَّة شعور بالآخرين واهتماماً بأمور الأعياد حتى أنها كانت فرضاً دينياً يجب على الأمة القيام به الى جانب تبادل المسلمين بتحيَّة العيد الجميلة «عيد سعيد» تحمل بين طياتها وجنباتها أفضل المعاني السامية والأهداف الإسلاميَّة الراقية آمل بأن تعود تلك الأفراح والسعادة والسُّرور الَّذي يملأُ جنبات القلب وحيث إنَّ الرِّضا يشيع في النفس البهجة في كل عام مقترنة برضاء الرحمن.
والعيد في اللُّغة هو ما اعتادك من همَّ أو مرض أو حزن أو نحوه، كما قال الشَّاعر فالقلب يعتاده من حبها عيداً. وقال أيضاً أمسى بأسماء هذا القلب معموداً.
والعيد في الإسلام أمر واجب شرعاً لما يترتب عليه من تأمل المرء وتفكره في كل زمان ومكان، وفيما حوله من الكون وفي نفسه وأحواله وفي أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه، لأن هذه المناسبة تصل بالإنسان الى الحقائق وتبصره إلى الصواب وتعرفه إلى الخير وسبله، وتبعده عن الشر ودروبه، وما يحققه الخير من نفع وبركة، وما يسببه الشر من ضرر وتعاسة وتفرقة وتباعد، ومع بداية عيد الفطر المبارك يجدر بنا أن نمعن في التفكير - ونجدد في التأمل في هذه المناسبة الكريمة استخلاصاً ما يمكن أن تقوم به من تهذيب للنفس من جميع نواحيها المادِّيَّة والروحية، حيث إن أوامر الله تجدد الصَّلاح والفلاح بين الهوة التي اراد الله لها أن تجتمع وتلتئم بين الاخوَّة وذوي الأرحام، وإذا لم نعمل على توحيد الصفوف، وتمزيق ملفات الخلاف، وامتهان أسباب الفرقة، ونبذ دواعي الحقد والحسد والكراهية ومحاربة النميمة والوشاية مع اقترابنا من اواصر الحقيقة الواضحة .. إذا لم نعمل كل هذه المبادئ فنحن لم نحسن استقبال هذه المناسبة بالشكل المطلوب؛ فهذا العيد التي أيامه كلها مشرقة باسمة بالحب والوئام والودِّ والاحترام والتقدير فالواجب على كل واحد مِّنَّا أن يجاهد نفسه وأن يحسن ولا يسيء، ويحاول بقدر الامكان طوي كل الدفاتر القديمة مع فتح دفاتر حديثه..
فإن للعيد بهجة وروعة وجمال وتجديد والعيد محطة لقطار عام يقف فيها محملاً بالسرور ليلقيه في أفئدة البشر، لينعموا بالبشر والمرح، ويحبون يوماً جميلاً يقطفون فيه أنغام القلوب السعيدة، ويتنسمون فيه عطر العواطف المبتهجة.
وقال تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء} سورة المائدة آية (112).
إلى قوله تعالى: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ} سورة المائدة آية (114 - 115).
فهو مظهر من مظاهر شكر النعمة وكل ما أبرزه فيه العباد من بهجة، وكلما تمتعوا به من نعمة هو أثر الشكر بعد نهاية صلاة عيد الفطر المبارك فيعظم الأجر، ويطمع العباد في جائزة الرب جل جلاله، وفي حسن مثوبته جاء في بعض الآثار عن السلف رضوان الله عليهم لرمضان وقيامه، فقد وفوا ما عليهم من العمل وبقي لهم الأجر وهو المغفرة، فإذا خرجوا يوم عيد الفطر المبارك قُسِّمت عليهم أجورهم فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوا.
كما جاء في حديث ابن عبَّاس المرفوع: إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أبواب السكك ينادون بصوت يسمعه جميع الخلائق الاَّ الجن والإنس، يقولون: يا أمة مُحمَّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله عزَّوجلَّ لملائكته: يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيدنا أن توفيه أجره فيقول: إني أشهدكم أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي انصرفوا مغفوراً لكم.
والله الموفِّقُ والمعين.