عايض بن خالد المطيري
العيد ليس مجرد مناسبة على ورق التقويم بل هو احتفالٌ يزهر في القلوب، وسكينةٌ تفيض بها الأرواح بعد شهرٍ من الطاعة. إنه بهجةٌ تُولد مع إشراقة شمسه، وموعدٌ مع الفرح الخالص، حيث تُطوى صفحات التعب، وتُفتح أبواب المحبة والتسامح. ليس العيد يومًا ننتظر فيه السعادة أن تأتي إلينا، بل هو فرصةٌ لنصنعها بأيدينا وننثرها في كل زاويةٍ من حياتنا.
في زمنٍ أصبح البعض يشكو أن العيد فقد نكهته، وضاع طعمه، وانطفأت فرحته، نحن مدعوون لأن نعيد إليه بريقه، أن نحتضنه بقلوبٍ تتوق للفرح، ونعيشه كما كنا نفعل صغارًا؛ ننتظره بشغف، نفرح بحلواه، نرتدي الجديد، ونسابق الفرح إلى بيوت أحبابنا.
لقد جعل الله العيد عيدًا لتُعظم فيه الشعائر وتُحيا فيه السنن، فقال: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). إنه يومٌ للفرح المشروع، يومٌ يلتقي فيه المسلمون بعد شهرٍ من السعي إلى الله، فيتصافحون ويتزاورون ويتهادون، امتثالًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تهادوا تحابوا). فما أروع أن نجعل العيد مساحةً لصنع الذكريات الجميلة، وأن نُعطيه من قلوبنا ما يستحق!
افتحوا نوافذ أرواحكم للبهجة منذ لحظة شروق العيد، توجهوا للصلاة بقلوبٍ بيضاء وملابس زاهية، صافحوا أحبابكم وكأنكم تمنحونهم جزءًا من سعادتكم، قبّلوا رؤوس والديكم بامتنان، احتضنوا أطفالكم، انثروا التهاني كما يُنثر العطر، واجعلوا صباح العيد إعلانًا للحياة الجديدة، حيث لا مكان للأحزان ولا موطئ للكدر.
الفرح في العيد ليس كماليات، بل هو عبادةٌ وسُنّة، قال الله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).
فافرِحوا بتمام الطاعة، وافرِحوا لأنكم ممن أدركوا رمضان، وافرِحوا لأن الله شرّفكم بهذا اليوم، ثم انثروا هذه الفرحة في قلوب من حولكم. لا تبخلوا بابتسامة، لا تحرموا صغيرًا من ضحكةٍ أو هدية، ولا تمرّوا على حزينٍ دون أن تضيئوا روحه بكلمة طيبة.
مساحة الفرح في العيد تتسع بقدر اتساع قلوبنا، فمن عمرَ رمضان بالإحسان، كان عيده ممتلئًا بالنور، ومن زرع في قلبه الصفاء، وجد في العيد بابًا مفتوحًا للودّ والمودة. فلا تجعلوا هموم الحياة تثقل هذا اليوم، ولا تُلوثوا فرحته بالنقاشات العقيمة أو المشاحنات المؤجلة، العيد هو العيد، فدعوه نقيًا كما أراده الله.
اصنعوا من العيد ذكرى تستحق أن تُحكى في المستقبل، كونوا أنتم صُنّاع الفرح، وابحثوا عن السعادة في كل لحظةٍ مهما كانت بسيطة. فالعيد ليس لمن يمرّ به، بل لمن يجعله عيدًا!