عادل علي جودة
أما (سلِّموا)؛ فهي النداء الأخير بصوت نتنياهو مصحوبًا بالقذائف الحارقة والإجرام الدموي بإسناد عالٍ من لدن سيد البيت الأبيض دونالد ترامب، ومعنى مفردة (سلِّموا) يحكي الكثير، فهي متفرعة في اتجاهات متعددة، وأول هذه الاتجاهات أن (سلِّموا) لنا أسرانا، ومن ثم سلِّموا لنا كل شيء؛ أنفسَكم، وأسلحتَكم، وأرضَكم، وشعبَكم. وأما (لن تَسْلَموا)؛ فهي بصوتٍ جهوري تعني التهديد والوعيد بشطب ما يسمى (فلسطين والفلسطينيين) وتصفية القضية الفلسطينية والقضاء عليها تمامًا.
هذا ما يراد لفلسطين، والبداية مع أهلنا في قطاع غزة وهم خط الدفاع الأول في مواجهة الأطماع الصهيونية المتمثلة في بناء إسرائيل الكبرى، فإذا ما تحقق ذلك وانتهت غزة، تنطلق المسيرة نحو ما تبقى من فلسطين وما حول فلسطين، وكل شيء يجري على الملأ جهارًا نهارًا، وليس أمام أهل غزة سوى خيارين لا ثالث لهما؛ الخيار الأول يكمن في التهجير القسري أو الطوعي سمّهِ ما شئت، والخيار الثاني الموت والفناء، وفي هذه وتلك على الشعب أن يتقبل النهاية الحتمية المتمثلة في الخنوع، والذل، والهوان، والضياع، والانقراض.
جاء ذلك بعد مضي خمسة عشر شهرًا من الصد الأسطوري لا أقول من قبل حمال، إنما من قبل مقاومتنا الفلسطينية الباسلة بكل مسمياتها، والصبر المذهل من حاضنته الشعبية، حيث راح نتنياهو يصب جامّ غضبه على الأطفال والنساء والبنيان عبر هجمة صهيوأمريكية مجرمة، إلا أنها لم تحقق أيًّا من أهدافه التي لطالما أعلنها منذ بداية الهجمة الصهيونية الشرسة؛ فهو لم يحرر أسراه، ولم يكسر إرادة المقاومة وثباتها، تمامًا كما لم يكسر صمود هذا الشعب العظيم برغم كل ما تعرض له من حصار، وتجويع، وقتل، وتشريد، ودمار، ليس هذا فحسب؛ بل تكبد من الخسائر البشرية والمادية والمعنوية ما لم يشهد لها مثيلًا منذ أن وضع الصهاينة أقدامهم على تراب فلسطين الطاهر على امتداد ما يقارب الثمانين عامًا.
لقد أيقن أنه لن يحرر أسراه بالضغط العسكري كما توهّم، فلم يجد بُدًّا من اللجوء للمكر والخسة عبر المفاوضات والعهود والمواثيق التي يسهل عليه نقضها بلا أدنى اكتراث، وترامب من خلفه يهدد ويتوعد مستخدمًا أبشع الألفاظ حتى بلغ به الأمر أن يستخدم مفردة (الجحيم) التي هي من شأن الله سبحانه وتعالى.
مضت المرحلة الأولى من اتفاق الصفقة الذي أنجزته الوساطة المصر القطرية، ففي حين نفذت المقاومة كل ما عليها من التزامات، كان نتنياهو يواصل خروقاته لمتطلباتها وعلى وجه الخصوص تعطيل ما سُمي في الاتفاق بالبروتوكول الإنساني، وحينما حان وقت المرحلة الثانية التي تُلزم نتنياهو بالانسحاب الكامل من قطاع غزة، والإعلان عن الوقف الدائم لهجمته النازية، راح يفرغ ما امتلأ به قلبه من مكر وغيظ وحقد، فأقفل المعابر حاجبًا المساعدات الإنسانية لثلاثة أسابيع في إطار سياسته المعهودة في تجويع الشعب الصابر المحتسب، فكان له ذلك، ثم قبيل سحور اليوم الثامن عشر من شهر رمضان، أرسل قنابله المجرمة من طائراته الحربية الأمريكية على امتداد قطاع غزة من شماله إلى جنوبه، فقتل في سويعات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة أكثر من أربعمائة وثمانين شهيدًا من النساء والأطفال والشيوخ على مرأى العالم وسمعه، وفي اليوم الثاني قتل ما يزيد على خمسين شهيدًا، وفي اليوم الثالث قتل واحدًا وسبعين شهيدًا، عدا عن الأعداد الكبيرة من المصابين، بالإضافة إلى ما أحدثه من دمار فوق الدمار وتشريد فوق التشريد، ولم تزل هجمته النازية الفاشية مستمرة.
كل ذلك والمقاومة الفلسطينية التزمت جانب ضبط النفس، والشعب الفلسطيني لم يزل بصبره وصموده يواصل كسر شوكة عدوه، وإفشال مخططاته الرامية إلى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي مؤكدًا تمسكه بتراب أرضه وحضارته وتاريخه، ومجددًا هتافه أنه لن يغادر أرضه مهما قدّم من تضحيات ومهما بلغت به المعاناة، وأنه سيبقى وفيًّا لجثامين شهدائه الذين مازالوا تحت أنقاض بيوته وشوارعه وبنيته التحتية، وبصوت يحمل مرارة الألم وقسوة البرد والجوع راح يهتف بكل جوانحه (لن نرفع الراية البيضاء، ولن تُحققوا أوهامكم).
هكذا هي حال هذا الشعب العظيم - والإنسانية تشهد - تمرُّ الأيام والسنون على نكبةٍ أولى لم تزل تسكن العيون، وها هو اليوم أمام نكبةٍ أخرى تجري أحداثها بطغيان عدوٍّ مجرم لم يزل يرى نفسه فوق القانون، ظانًّا أن أصحاب هذه الأرض أصابهم الوهن والخنوع، ولكن خاب ظنه؛ فها هم الأماجد في غزة، وفي القدس، وفي الضفة الغربية، وفي كل فلسطين صابرون مرابطون، وبدمائهم يروون تراب الأرض، وبنبض قلوبهم يهتفون هذه الأرض أرضنا وليس أمامكم إلا الرحيل إلى حيث جئتم؛ شئتم أم أبيتم، وكأني بمداد دمائهم ومعاناتهم يصنعون من تراب الأرض حروفًا تقول؛ «هنا أرضي»:
هُنَا كُنَّا بِلَا شَكْوَى
هُنَا صِرْنَا بِلَا مَأْوَى
هِيَ الْأَيَّامُ كَمْ تَقْسُو
وعَيْنُ السَّطْوِ كَمْ تَقْوَى
رَمَيْنَاهُمْ بِطُوفَانٍ
فَجَاءَ الْبَعَضُ بِالْفَتْوَى
فَهَلْ نَشْكُو؟ لِمَنْ نَشْكُو؟
وَهَذَا الْحَقُّ؛ هَلْ يُرْوَى؟
فَلَا لِلصَّمْتِ يَا كِسْرَى
وَهَذَا السَّيْفُ لَنْ يُطْوَى
فَلَا رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ
وَلَا لَهْوٌ وَلَا سَلْوَى
فَهَذِي الْأَرْضُ لَنْ تَرْضَى
وَهَذَا الشَّعْبُ لَنْ يُغْوَى
لَقَدْ كُنَّا وَمَازِلْنَا
كَشَوْكِ الصَّبْرِ فِي الْحَلْوَى
وَهَذَا الصَّمْتُ لَنْ يَبْقَى
فَفِيهِ الْآهُ والشَّكْوَى
وَنَبْضُ الْآهِ لَا يَغْفَى
وَعِشْقُ الدَّارِ لَنْ يُضْوَى
لَقَدْ قُلْنَا وَحَذَّرْنَا
بِلَا نَفْعٍ وَلَا جَدْوَى
فَإِذْ بِالْغَاصِبِ الْأَعْمَى
بِإِصْرَارٍ قَدِ اسْتَقْوَى
وَأَقْصَانَا لَكَمْ نَادَى
بِطُوفَانٍ هُوَ الْأَقْوَى
فَجَاءَ الرَّدُّ مِنْ قَوْمٍ
بِهِمْ عَزْمٌ بِهِمْ تَقْوَى
فَصَدَّ الْقَصْفُ أَوْهَامًا
بِإِيلَامٍ كَمَا نَهْوَى
وَأَقْسَمْنَا بِرَبِّ الْكَوْ
نِ هَذِي الْأَيْدِ لَنْ تُلْوَى
وَأَقْسَمْنَا بِمَا نُؤْتَى
سَنَسْقِي الْأَرْضَ كَيْ تُرْوَى
فَإِنْ طَالَتْ لَيَالِيكُمْ
فَلَا تَنْسَوْا بِنَا بَلْوَى
وَلَا تَنْسَوْا مَآقينَا
فَفِيهَا الْوَعْدُ وَالنَّجْوَى
فَوَعْدُ الْفَرِّ إِنْ شِئْتُمْ
وَإِلَّا النَّارُ وَاللَّأْوَى
** **
- كاتب وشاعر فلسطيني