علي حسن حسون
أعلنت منظمة الصحة العالمية عبر موقعها الرسمي أن من بين كل 8 أشخاص في العالم يوجد شخص واحد يعاني من اضطراب نفسي، أي ما يعادل نحو 970 مليون شخص حول العالم. من بين هذه الاضطرابات، يعد القلق والاكتئاب من أكثر الأمراض انتشارًا. في عام 2019، كان الوضع على هذا النحو، ولكن في 2020، وبسبب جائحة كورونا، شهدت حالات اضطرابات القلق وحدها زيادة بنسبة 26 في المائة، بينما ارتفعت اضطرابات الاكتئاب بنسبة 28 في المائة.
لكن هذه الأرقام تشير فقط إلى أولئك الذين لجؤوا إلى الأطباء النفسيين وظهر لديهم سجل مرض موثق، مما يعني أن الأعداد التي تم الإعلان عنها ليست شاملة، بل تقتصر على شريحة صغيرة من المجتمع، إذ إن العديد من الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية لا يتوجهون لزيارة الأطباء. وعلى الرغم من أن هذه الإحصائيات قد تبدو صادمة، إلا أنه من المؤكد أن كل إنسان في هذا العالم يعاني من تجارب نفسية، فالتجارب النفسية جزء لا يتجزأ من الحياة البشرية.
في هذا السياق، يأتي الحديث عن أهمية تعزيز الصحة النفسية لدى الأفراد الموهوبين، الذين يتمتعون بقدرات استثنائية وإمكانات فريدة تؤهلهم لإحداث تغيير إيجابي في مجالاتهم. دعم هؤلاء الأفراد نفسيًا لا يقتصر فقط على تحسين أدائهم وتطوير إمكاناتهم، بل يشمل تمكينهم من مواجهة التحديات النفسية المرتبطة بالتميز والضغوط الاجتماعية، مما يضمن استمرارية عطائهم وتحقيقهم لإنجازات أكبر.
وتعد الوقاية من الاحتراق النفسي، الذي يُعرف بـ»الإجهاد المزمن الناتج عن ضغوط العمل أو الحياة»، من أهم جوانب تعزيز الصحة النفسية للمواهب. وقد كان هربرت فرودنبرجر، عالم النفس، أول من أطلق مصطلح «الاحتراق النفسي» في كتابه الشهير الاحتراق النفسي: الثمن الباهظ لتحقيق الإنجازات العالية، حيث تناول فيه هذا الموضوع وأثره الكبير. وفي وقت لاحق، أدرجت منظمة الصحة العالمية الاحتراق النفسي كمتلازمة مرتبطة بالإجهاد المهني.
ومن التوصيات المهمة التي قدمها علماء النفس في هذا الصدد، نجد من أبرزها ما قالته كارول يونغ: «يجب على الإنسان أن يجد توازنه بين العمل واللعب والراحة؛ الإفراط في أي جانب يؤدي إلى تآكل الروح»، وكذلك قول سيغموند فرويد: «الرعاية الذاتية ليست رفاهية، بل هي ضرورة لضمان قدرة الفرد على مواجهة تحديات الحياة».
في التراث العربي، نجد إشارات مهمة حول أهمية الراحة النفسية، كما قال الإمام علي (كرم الله وجهه): «روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا أُكرهت عميت»، مشيرًا إلى أهمية أخذ فترات من الراحة من العمل والعبادة لتجنب الإجهاد العقلي والنفسي. كما قال أيضًا: «لا تحمل همّ يومك الذي لم يأتِ على يومك الذي أنت فيه»، في دعوة لتجنب القلق المفرط بشأن المستقبل والتركيز على اللحظة الحالية.
وبالحديث عن «الاستمتاع باللحظة»، نجد أن هذه الفلسفة هي أسلوب حياة بسيط وفعّال، حيث تفتح أبواب السكينة وتخفف من أعباء القلق والتوتر كل شيء يحدث في وقته المكتوب، ولا جدوى من إهدار الوقت في اجترار الماضي أو القلق بشأن المستقبل فمن استمتع باللحظة الحالية، وأتقن فن الاستمتاع بها ببساطة وصدق، بعيدًا عن التصنع أو التكلّف، فإنه بلا شك سيحمي نفسه من الاحتراق النفسي، فضلاً عن التخفيف من العزلة الاجتماعية التي قد يعاني منها أصحاب المواهب نتيجة لعجزهم عن التفاعل مع المحيط الاجتماعي والتعامل مع تحدياتهم النفسية الخاصة.
وفي الختام، يبقى لنا القول إن هذا الموضوع يستحق المزيد من التأمل، إذ إنه يحمل في طياته العديد من الأبعاد التي يجب أن نركز عليها في دعم الأفراد الموهوبين.. وللحديث بقية..