د.عبدالعزيز عبدالله الأسمري
برزت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة كقوة دبلوماسية ناشئة على الساحة الدولية، حيث يمثل دورها في استضافة المحادثات بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا حول الأزمة في البحر الأسود مثالًا واضحًا على هذا التحول. ففي مارس 2025، استضافت الرياض جولة محادثات استمرت ثلاثة أيام، هدفت إلى التوصل إلى اتفاق لوقف التصعيد العسكري في البحر الأسود وتجنب استهداف البنية التحتية للطاقة، وسط صراع مستمر يهدد الأمن الأوروبي والاستقرار العالمي.
اختيار الرياض كمكان لهذه المفاوضات لم يكن عشوائيًا، بل يعكس ثقة الأطراف الدولية في حياد المملكة وقدرتها على توفير بيئة آمنة ومحايدة للحوار. فالسعودية ليست طرفًا مباشرًا في النزاع، لكنها تملك علاقات قوية ومتوازنة مع كل من واشنطن وموسكو، مما يؤهلها للعب دور الوسيط المقبول من الجانبين. كما أن علاقتها المتنامية مع أوكرانيا، خاصة بعد دعمها المتكرر للجهود الإنسانية هناك، جعلتها طرفًا مؤهلًا لاستضافة هذا النوع من المحادثات الحساسة.
من خلال استضافة هذه المحادثات، أثبتت السعودية أنها لا تسعى فقط للعب دور إقليمي في منطقة الشرق الأوسط، بل تطمح إلى أن تكون طرفًا فاعلًا في معالجة القضايا العالمية الكبرى. وقد وفرت الرياض خلال المحادثات قنوات اتصال دبلوماسية فاعلة، مكّنت المسؤولين الأمريكيين من التواصل مع نظرائهم الروس والأوكرانيين بشكل منفصل، في وقت لا تزال فيه العلاقات بين الأطراف الثلاثة متوترة للغاية.
على الرغم من أن الاتفاق المعلن بشأن وقف إطلاق النار البحري لم يُنفَّذ بعد بسبب الشروط الروسية المتعلقة برفع العقوبات، فإن الوصول إلى تفاهم أولي بين الأطراف المتنازعة يُعد خطوة مهمة نحو خفض التصعيد. ويؤكد هذا التقدم الجزئي قدرة السعودية على تسهيل الحوار وإدارة النقاشات بحكمة وبعيدًا عن الأضواء، مما يعزز دور الرياض كلاعب دولي فاعل يعرف متى يتحدث، ومتى يُصغي، والأهم: كيف يُقنع.
من جهة أخرى، لعبت الرياض دورًا فعّالًا في تذكير المجتمع الدولي بأهمية الحفاظ على أمن الممرات البحرية العالمية، خاصةً البحر الأسود الذي يُعد شريانًا حيويًا لتجارة الحبوب والأسمدة. كما ركّزت المحادثات في الرياض على ضرورة حماية البنية التحتية للطاقة، خاصةً بعد استهداف محطات الكهرباء في أوكرانيا، وهي قضية تمسّ الأمن الإنساني بشكل مباشر.
وعلى الرغم من هذه الإنجازات، فلم تُعلن المملكة انتصارًا ولم تتباهَ، بل اكتفت بالعمل بهدوء، كما يفعل صُنّاع السلام الحقيقيون. وهذا ما يميزها: القدرة على التحرك بثقة دون الحاجة للضجيج.
في الختام، يُسلّط الدور الذي أدّته المملكة في هذه المحادثات الضوء على تحول حقيقي وملموس في توجهاتها الدبلوماسية، حيث لم تعد تكتفي بالتأثير الإقليمي، بل باتت تتحرك بثقة في ساحات السياسة الدولية، ساعية إلى أن تكون جزءًا فاعلًا في صناعة السلام العالمي.
هذا الدور لا يُعزز فقط مكانتها كوسيط دبلوماسي موثوق، بل يُجسّد أيضًا رؤيتها في بناء صورة جديدة للمملكة كدولة رائدة، مسؤولة، وقادرة على إحداث فرق في المشهد الدولي المتغير.