د. أحمد محمد القزعل
عشتُ طفولتي في دمشق، حيث يعبق الهواء برائحة الياسمين ويملأ الشوارع صخب الحياة وألوانها، دمشق لم تكن مجرد مدينة عادية بل كانت الوطن الذي نشأت فيه، حيث تشكلت أحلامي الأولى وتفتحت آفاقي وحبي للمعرفة، كنتُ الطفل الذي تسلل بين الأزقة وهو يحلم بعالم أكبر، ويتمنى أن يصبح يوماً ما صوتاً يسمعه الجميع، قال خالي الشاعر ياسين فرجاني -رحمه الله- لي ذات يوم وكنت في الثامنة من العمر:
لك في غد يا أحمد
عند الثريا مقعد
إني أراك وقد كبرت
على جبينك فرقد
بالعلم ترقى والليالي
في طريقك أسعد
عيش رغيد والحياة
بكل عيش تسعد
كان والديّ حريصين على تعليمي، فقد رأوا في التعليم مفتاحاً لكل باب وسبيلاً لتحقيق الأحلام، وفي المدرسة كنتُ الطالب المتفوق الذي يعشق الأدب والتاريخ واللغة العربية، وكنتُ أحلم دائماً أن أصبح كاتباً يروي حكايات الوطن وآلامه، وبعد سنوات من الدراسة تخرجتُ من الجامعة، لكن طموحي لم يتوقف عند البكالوريوس، بل قررتُ متابعة الدراسات العليا وفي قاعات الجامعة كنتُ أحيا حياة أخرى، أتنقل بين صفحات الكتب والأبحاث وأسعى لفهم أعمق لتاريخنا وحضارة أمتنا العظيمة، وبعد الانتهاء من الدراسات العليا بدأتُ العمل في التدريس الجامعي، كانت قاعات المحاضرات مكاني الجديد حيث وجدتُ نفسي أزرع الأمل في قلوب طلابي وأشرح لهم عن قيم أمتنا في الحرية والكرامة وعن حضارتنا التي لطالما كانت مثالاً للعالم أجمع، حقيقة لم يكن التدريس كافياً لإشباع شغفي بالكلمة، فبدأتُ الكتابة في الصحف العربية والعالمية، وكنتُ أكتب عن أحلامنا وآلامنا وعن الوطن الذي نبحث عنه وعن الحرية التي نتوق إليها، كلماتي كانت تصل إلى القراء في كل مكان، وكنتُ أجد في الكتابة ملاذاً وهروباً من واقعنا المؤلم.
وعندما بدأت الثورة السورية كنتُ من بين الأوائل الذين خرجوا إلى الشوارع ينادون بالحرية والكرامة، كنا نحلم بوطن أفضل، بوطن يحترم حقوق الإنسان ويضمن لنا حياة كريمة، لم يكن الأمر سهلاً فقد واجهنا القمع والاضطهاد، تعرضتُ للاعتقال وكانت زنزانتي شاهدة على ألمي وصمتي، تنقلتُ من زنزانة إلى أخرى أتحمل القسوة والعنف فقط لأنني طالبتُ بالحرية ورفع الظلم عن وطني، تلك الأيام كانت الأقسى في حياتي، حيث شعرتُ بأنني ربما فقدتُ كل شيء حتى الأمل.
بعد عام تقريباً وبأعجوبة خرجت من الظلمة، لكن بعد ذلك خسرت وظيفتي ولقمة عيشي وأصبحتُ مطارداً في وطني، وبدأت رحلتي في البحث عن وطن، هربتُ من بلد إلى آخر، أبحث عن مكان آمن لي ولأطفالي، كانت الحياة في الغربة قاسية وكانت الأيام تمضي ببطء، وأنا أحمل معي ذكريات الوطن الممزقة وأمل العودة يوماً ما، وهكذا عشتُ في المنفى حيث شعرتُ بالغربة والوحدة وكنتُ أعمل جاهداً لأوفر لأطفالي حياة كريمة، وأحاول أن أبقي حلم العودة حيّاً في قلوبنا، بين الصباحات الباردة والليالي الطويلة، كنتُ أكتب عن وطني عن أحلامي وآمالي، ولعل الغربة كانت مدرسة أخرى، تعلمتُ فيها الصبر والتحمل رغم كل الألم، كنتُ أحلم باليوم الذي أعود فيه إلى دمشق، وأرى شوارعها تملأها الحرية وعبق الياسمين يعانق سماءها مرة أخرى.
ويطل علينا العام 2025 ومعه أمل جديد، فالثورة انتصرت ومزقت سياج الظلم والعالم من حولنا قد تغير، وربما حان الوقت للعودة وأنا أحلم بوطن يعمه السلام، وطن نبدأ فيه من جديد نبني فيه الدولة الحديثة بعيداً عن القمع والتضييق، لكن السؤال الذي ظل يراودني: هل سأجد الوطن الذي أحلم به؟، وبالرغم من كل ما مررتُ به، تعلمتُ أن المحبة هي الأساس لإعادة بناء الوطن، ومن دونها لا يمكن للوطن أن ينهض، ورسالتي الأخيرة لإخواني وأخواتي في سوريا: تمسكوا بالمحبة ليعيش الوطن، فقط بالمحبة يمكننا بناء وطن حر، وطن يعمه السلام والكرامة.