د.عبدالله بن موسى الطاير
شهدنا في المملكة على تحولات جذرية منذ تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد. وتفاعلنا بشغف مع بداية حقبة تحولية لأمة طالما هيمن عليها الرضا بما حققت، والقناعة بما أنجزت. برزت المملكة، بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومباشرة سمو ولي العهد إجراءات التغيير - في ظل رؤية السعودية 2030 - قوة مؤثرة في الساحة السياسية، حيث أعادت تشكيل المشهد المحلي، وتعريف دورها في الشرق الأوسط والعالم، ورسخّت مكانتها رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في منطقتها والعالم.
تُعدّ رؤية الأمير محمد بن سلمان 2030، باعتبارها رؤية وطن، حجر الزاوية في هذا التحول. تسعى هذه الخطة الطموحة إلى تنويع اقتصاد المملكة بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط، وتعزيز الابتكار والسياحة ونمو القطاع الخاص. المملكة، التي كانت في السابق لاعباً اقتصادياً هادئاً راضياً بثروته النفطية، تقدم نفسها الآن مركزاً للاستثمار والحداثة، مشرعة أبوابها للعالم. تؤكد المشاريع الضخمة على طول وعرض القارة السعودية العزم على منافسة القوى الاقتصادية العالمية، فلا شيء يحد من الطموح، ولا سقف له سوى عنان السماء. لم يعزز التحول الاقتصادي الذي حدث ويحدث من قدرة المملكة على الصمود في وجه تقلبات أسعار النفط فحسب، بل عزز أيضاً نفوذها في منطقة تهيمن عليها تاريخياً سياسات قائمة على موارد الطاقة الأحفورية؛ المملكة لاعب محوري في مجموعة أوبك +، وتزن بحكمة معروض النفط وأسعاره بما يتناسب مع العرض والطلب ويخدم مصالح المنتج والمستهلك.
على صعيد السياسة الخارجية، قاد الأمير محمد بن سلمان المملكة إلى آفاق جديدة، واستجاب لقدر المملكة أن تكون رافعة للسلم والأمن في محيطها، وأن تتصرف من منطلق المسؤولية بعيداً عن الشعبوية والشعارات التي فاقمت معاناة منطقتنا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد خرجت المملكة من ركن الراحة، واعتنقت سياسات جريئة متخلية أحياناً عن حذرها التاريخي في سبيل الاستجابة للتحديات المصيرية. وقد حوّل هذا النهج المملكة إلى ركيزة أساسية في الاستراتيجيات الخاصة بالسلم والأمن في المنطقة، مما عزز نفوذها الجيوسياسي.
وخارج الشرق الأوسط، وسّعت المملكة نطاق العمليات الدبلوماسية لتمتد حيث تكون مصالحها، نائية بمصالحها عن الاستقطابات الحادة بين القوى العظمى، ومتمسكة بالحياد في القضايا التي لا تمس مصالحها بشكل مباشر، لتكون بذلك وسيطاً مقبولاً من الفرقاء إقليمياً ودولياً. تعكس علاقات المملكة مع الصين وروسيا، على الرغم من تحالفها طويل الأمد مع الولايات المتحدة وأوروبا، سعياً عملياً لتنويع الشراكات، وفتح آفاق التعاون القائم على مبدأ الخير لجميع الأطراف. تظهر الأحداث المتوالية استقلالية المملكة المتنامية، وقدرتها على تعريف مصالحها، والدفع بها على الرغم من العلاقات الدولية المأزومة بين أطراف مهمة وفاعلة في النظام الدولي. لم تسهم المملكة في تخفيف حدة التوترات الإقليمية فحسب، بل تموضعت في موقع الوسيط، وهو دور جسور تتضح نتائجه في سوريا ولبنان والسودان والحرب الروسية - الأوكرانية والعلاقات الروسية الأمريكية. في الوقت نفسه، يشير تنظيم فعاليات واجتماعات ومؤتمرات عالمية، واستضافة معرض أكسبو الرياض 2030، وكأس العالم لكرة القدم 2034 إلى عزم الأمير محمد بن سلمان على تسنم المملكة زعامة ثقافية، واقتصادية وسياسية تليق ببلادنا ومستوى طموح قيادتها وشعبها.
في عهد الأمير محمد بن سلمان، تجاوزت المملكة حدودها التقليدية، مازجةً الطموح بالجرأة؛ سواءً من خلال إعادة صياغة الاقتصاد، أو تسريع وتيرة التغيير المجتمعي، وتحديث التشريعات، أو بتأكيد الحضور الدبلوماسي، وأعادت المملكة تقديم معنى ممارسة النفوذ في منطقة مضطربة وأحداث متقلبة وعالم يقف على عتبة تغييرات هيكلية خطيرة. لقد جعل الأمير محمد بن سلمان من المملكة لاعباً فاعلاً لا يُمكن تجاوزه، وفرض تغييراً حقيقياً في قواعد اللعبة السياسية الدولية.