د.شريف بن محمد الأتربي
يعد التنمر من أخطر الصراعات بين البشر، فهو القاتل الصامت للمتنمر به، والذي لا يملك حيلة لدفع الضرر عن نفسه خاصة عندما يكون هذا السلوك علنيا ومن أشخاص متعددين يتكالبون عليه مما لا يعطيه فرصة للصد أو الرد.
فالتنمر هو سلوك عدواني متكرر يمارسه شخص أو مجموعة ضد شخص آخر بقصد إلحاق الأذى النفسي أو الجسدي به. يتميز التنمر بأنه لا يقتصر على موقف واحد، بل هو سلوك مستمر يهدف إلى التحكم بالآخرين أو التقليل من قيمتهم، وقد يتخذ التنمر أشكالًا متعددة، مثل السخرية، التهديدات، العنف الجسدي، نشر الأكاذيب، أو حتى استبعاد الشخص من مجموعات اجتماعية.
وتتعدد أنواع التنمر حيث تشمل التنمر الجسدي، والتنمر اللفظي، والتنمر الاجتماعي، وأخيراً التنمر الإلكتروني والذي يشمل استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للتنمر على شخص ما بصور عدة، مثل نشر صور مهينة، إرسال رسائل تهديدية، أو نشر الأكاذيب.
وغالباً ما يكون المتنمرون أنفسهم لديهم اضطرابات شخصية ونفسية وسلوكية، أو يشعرون بالضعف أو العجز او المهانة في مجتمعهم فيلجئوا إلى التنمر بأشخاص أخرين لتعويض شعورهم بالنقص أو العجز.
كثير من هؤلاء المتنمرين يعانون من الضغوط الاجتماعية أو الأسرية، بل أن بعض منهم يعاني من ضغوط داخلية أو خارجية تدفعهم إلى تصريف مشاعرهم العدوانية وصبها على الآخرين.
تلعب التأثيرات الثقافية أو المجتمعية في بعض الأحيان دورا في وجود ظاهرة التنمر، حيث يمكن أن يكون التنمر نتيجة لمجموعة من القيم الثقافية أو الاجتماعية التي تشجع على الاستهزاء أو التقليل من الآخرين خاصة في عصور الاستبداد والاستعباد بين البشر مما يؤثر بالتالي على التنشئة الاجتماعية، ويساهم في تطوير سلوك التنمر لدى الأفراد.
مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وسهولة الاتصال بين الأفراد على الملأ، ظهر التنمر الإلكتروني كوسيلة جديدة من وسائل التنمر بين البشر ويتمثل في استخدام التكنولوجيا مثل الصور وتركيبتها، والرسومات، والرسائل النصية، البريد الإلكتروني عبر الشبكات الاجتماعية، أو المنتديات الإلكترونية لإيذاء شخص ما بشكل متعمد، من خلال الإهانات، والتهديدات، ونشر الأكاذيب، أو نشر صور أو معلومات مسيئة، سواء كانت حقيقية أو ملفقة، ويمثل هذا النوع من التنمر تهديداً خطيراً على الأفراد والمجتمعات لما له من أبعاد قصيرة أو طويلة المدى على نفوس وشخصيات المتنمر بهم.
ويعد الابتعاد عن المسؤولية الشخصية، والشعور بالقوة الزائفة، والتسلية على حساب الآخرين، من أهم أسباب التنمر الإلكتروني. فالإنترنت يمنح الأشخاص شعوراً بالأمان والبعد عن العواقب، مما يسهل عليهم ارتكاب الأفعال السلبية ضد الآخرين دون الخوف من التعرف عليهم أو تحمل المسؤولية. ففي هذا الشكل من أشكال التنمر يشعر المتنمرون بالقوة وهم في موقع مجهول، مما يجعلهم يعتقدون أنهم يمكنهم إيذاء الآخرين دون أن يتعرضوا للمحاسبة أمام القانون أو المجتمع.
يتخذ المتنمرون أحيانا التنمر بالأخرين بهدف الضحك وسط الجماعة وخاصة المراهقين والشباب، أو لجذب الانتباه، أو زيادة المتابعين على الصفحات الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي مما يزيد من انتشار هذه الظاهرة بين المراهقين والشباب.
كثير من الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية أو اجتماعية قد يلجئون إلى التنمر الإلكتروني كوسيلة للتعبير عن غضبهم أو استيائهم من أنفسهم، بل في بعض الأحيان يكونون هم أنفسهم ضحايا للتنمر سواء في الواقع، أو عبر البيئات الرقمية الافتراضية.
وقد جاءت الشريعة الإسلامية السمحاء بالنهي المطلق عن التنمر، وما يدور حوله من مسميات أخرى كالسخرية والعبث والعنف. فالتنمر يعد سلوكًا مرفوضًا تمامًا في الإسلام الذي يحث على التعامل بالحسنى والرحمة والاحترام والعدل مع الآخرين.
وعلى الرغم من اختلاف مفهوم «التنمر» كما نعرفه اليوم عما كان موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته؛ إلا أن هناك العديد من الحوادث والأحداث التي تتعلق بسلوكيات تمييزية أو مسيئة تتعلق بالتعامل مع الآخرين بشكل غير لائق، ويمكن أن تدرك تحت سلوك التنمر. وتعد قصة الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه واحدة من أشهر قصص التنمر في التاريخ الإسلامي، فبلال بن رباح كان من أوائل الذين أسلموا وكان عبدًا حبشيًا قبل إيمانه، وقد رفع الله قدره بعد الإسلام، وخلد ذكره في التاريخ الإسلامي سواء بجهاده، أو بارتباطه بالآذان، وقد ذكرت بعض المصادر أنه قد تعرض للتنمر والسخرية من لون بشرته، وبشرة أمه من قبل أحد الصحابة، وكان رد النبي صلى الله عليه وسلم حين علم بذلك أن قال له: إنك امرؤ فيك جاهلية.
يعاني ضحايا التنمر الإلكتروني من الاكتئاب، القلق، وتدني تقدير الذات، وقد يصل الأمر إلى الانتحار في الحالات القصوى، كما يصابون بنوع من العزلة الاجتماعية فيتجنبون التفاعل مع الآخرين سواء في الحياة الواقعية أو عبر الإنترنت، يمكن أن يؤثر التنمر الإلكتروني بشكل كبير على تركيز الضحية، مما يؤدي إلى تدني الأداء الأكاديمي أو المهني.
يتطلب التصدي للتنمر الإلكتروني تعاوناً من جميع أفراد المجتمع، بدءاً من الأفراد أنفسهم، وصولاً إلى الحكومات والمنظمات التعليمية، ويعتمد التصدي على:
1- التوعية والتثقيف: يجب على المجتمعات وخاصة المدارس توعية الشباب والأفراد بأضرار التنمر الإلكتروني وتعريفهم بكيفية التعامل معه.
2- تعزيز ثقافة الاحترام والتسامح: يجب العمل على تعزيز ثقافة الاحترام والتسامح بين الأفراد على الإنترنت، وتشجيعهم على التعبير عن آرائهم بشكل بناء بعيداً عن الإساءة.
3- استخدام أدوات التحكم والمراقبة: يمكن لمستخدمي الإنترنت استخدام أدوات مثل برامج مكافحة التنمر أو أدوات المراقبة لحماية الأطفال والشباب من المحتوى الضار.
4- التمسك بالقوانين: على الحكومات سن تشريعات صارمة لمكافحة التنمر الإلكتروني، وتطبيق العقوبات المناسبة بحق المتنمرين.
5- الدعم النفسي: يجب توفير الدعم النفسي للضحايا، من خلال خدمات الاستشارة والمساعدة النفسية المتخصصة.
إن التنمر الإلكتروني هو تحدٍ اجتماعي ونفسي يحتاج إلى جهود جماعية للتصدي له، فمن خلال الوعي والتعاون بين أفراد المجتمع، والمدارس، والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة، والقطاع الخاص، يمكن أن نخلق بيئة آمنة على الإنترنت تضمن حقوق الأفراد وتحميهم من الآثار السلبية لهذه الظاهرة.