علي حسن حسون
استكمالًا لما سبق، فإن الموهوبين عادة ما يتبعون آليات معينة في التفكير تؤدي إلى الإبداع واستحداث ابتكارات ذات قيمة عالية. ومن دون أدنى شك لا تأتي هذه الابتكارات من فراغ، بل تمر بسلسلة من التجارب والإخفاقات، أو الفشل بتعبير آخر، حتى الوصول إلى المنتج النهائي من الإبداع، ونظراً لتقلبات المراحل التي يمر بها المبدع قبل بلوغه الهدف المنشود فإنه يكون في أمس الحاجة إلى الدعم والمساندة للتغلب على تلك التحديات والمضي قدمًا نحو ما يصبو إليه.
هنا يظهر دور الطبيب النفسي الكفء الذي يمكنه أن يقدم يد العون، ويساهم في تعزيز التفكير الحر وغير التقليدي باستخدام بعض التقنيات العلاجية التي قد تحدث تغييرات إيجابية في إزالة الحواجز النفسية التي قد تعيق الإبداع، من خلال كسر الخوف والمخاوف التي تحد من الاستمرار في الإبداع، مع تعزيز الحوافز الداخلية للمبدعين، بحيث يصبحون قادرين على الاستمرار في إبداعهم دون الحاجة إلى محفزات خارجية، بل يكون لديهم دوافع مستدامة للإبداع.
وبالمناسبة، هناك حد فاصل بين العبقرية والاضطرابات النفسية.
الإبداع في حد ذاته لا يخلو من الجوانب السلبية التي تلقي بظلالها على الجوانب الشخصية والاجتماعية والنفسية للأشخاص الذين يتبعون شغفهم وإبداعهم إلى حد العزلة عن الواقع المحيط بهم، يحدث ذلك بسبب تركيزهم المفرط على الأفكار الإبداعية، مما يؤدي إلى صعوبات في العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة أو مع المجتمع الخارجي، حيث إن بعض الأفكار الإبداعية قد تكون غير مألوفة للمجتمع أو تتعارض مع قيمه وعاداته، ما يجعلها تواجه بالرفض باعتبارها خارجة عن العادات والتقاليد.
إضافة إلى ذلك، قد يعاني بعض المبدعين من الإبداع المفرط نتيجة لكثرة الأفكار وعدم التركيز على فكرة واحدة لتنفيذها، مما يؤدي إلى تشتت الجهود وعدم القدرة على تحقيق نتائج ملموسة تعبر عن إبداعهم، وهنا، يأتي دور الطب النفسي مرة أخرى في مساندة المبدعين لتجنب هذه السلبيات وتحويلها إلى أدوات تساعدهم في مواصلة مسيرتهم الإبداعية.
ومن أبرز الشواهد التي تؤكد أهمية تعزيز الصحة النفسية للمبدعين، نجد العديد من الشخصيات البارزة الذين واصلوا إبداعهم رغم التحديات وتركوا بصمة خالدة في مجالاتهم، على سبيل المثال، لا يمكن الحديث عن الأدباء والمفكرين العرب دون الإشارة إلى عميد الأدب العربي طه حسين، الذي فقد بصره في سن مبكرة، ولكن بفضل الدعم النفسي القوي من أسرته وأساتذته، استطاع تجاوز الصعوبات وتحقيق إنجازات أدبية وفكرية عظيمة، كما لا يمكن إغفال نجيب محفوظ، أول أديب عربي يحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1988م، الذي استطاع أن يخلد اسمه عالميًا بإبداعه الأدبي. إضافة إلى ذلك، هناك الشاب عمار بوقس، الذي وُلد وهو يعاني من شلل تام في جميع أطرافه، لكنه تحدى جميع الصعاب، محققًا إنجازات لذوي الإعاقة وجعل نفسه رمزًا للإصرار والنجاح.
أخيراً إن الصحة النفسية ليست مجرد عنصر هامشي في حياة الإنسان، بل هي عامل جوهري في تنمية قدراته، وتحريره من دائرة الانغماس الداخلي إلى إبراز طاقاته الإبداعية، خصوصًا بالنسبة للمبدعين والموهوبين، الذين يعتبرون المحرك الحقيقي للتقدم الإنساني في شتى مجالات الحياة. وفي ظل التحديات المتزايدة التي يشهدها العالم في مجالات الذكاء الاصطناعي والعلوم الحديثة التي تتطلب التعامل مع أدوات جامدة، يظل الإنسان المبدع ذو المشاعر والأحاسيس هو الذي يقف وراء تطوير هذه التقنيات وجعلها في خدمة البشرية.
لذا، فإن التركيز على دور الصحة النفسية في دعم ورعاية هؤلاء الموهوبين والمبدعين ليس خيارًا فحسب، بل ضرورة ملحة لبناء بيئة مجتمعية تعزز الابتكار وتدعم استمراريته، من خلال تحويل الصعوبات إلى فرص، والإبداع إلى واقع ملموس، يسهم في تحسين جودة حياة الإنسان.