د. إبراهيم بن جلال فضلون
تَمُرُّ الأيام مُتتابعة مُتشابِهة، ويأتي العيدُ بعد عودٍ، فتجده يومًا ليس كمثله يوم، نهاره أبهى الأنهار، والمتعة به أطول، وشمسَه أضوَأ، وليلَه أهنأ بالسلوان، وقد ودعنا شهرًا روحانيًا، بلياليه العامرة، والله أعلم من فاز بها وكان مقبولاً فنهنِّيه، ومن منا المطرود فنعزيه؟! ليُتابع سلسلته فرحة عيد ليست كما يظن الكثيرين أوقاتاً ضائعة في اللهو واللعب والغفلة، بل شُرع لقوله سبحانه: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
فالعيد لغة من العود، وهو الرجوع بعد غياب، وكأنه يوم عائد كمكافأة للصبر والتعب الذي تم بذله، كيوم الجُمعة لقوله -صلى الله عليه وسلم- فيه إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدًا، ومنها الاجتماع فيه أو أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مُطلقًا كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تتخذوا قبري عيدًا».
والعيد خاصية تتميز بها الأمم عن غيرها، ولا توجد أمة بلا عيد، كما لا يكون عيد بلا أمة، لكن أعيادنا جزء مهم من نسيجنا الديني والثقافي، فلا تجدها تنفصل عن ديننا ودُنيانا، فأعيادنا كثيرة وكبيرة، فعيدنا الأسبوعي (يوم الجمعة) وعيدان كبيران هما فرحتا الأمة الإسلامية يأتيان بعد عبادتين، وللأسف قد تعدت مسميات الحداثة للأعياد عند الأمم المتأخرة، حتى صار للطماطم والعنب عيد في بعض البلدان والحضارات، وقد قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «إن كثيرًا من الناس تضيع أوقاتهم في العيد بالسهرات والرقصات الشعبية، واللهو واللعب، وربما تركوا أداء الصلوات في أوقاتها أو مع الجماعة، فكأنهم يريدون بذلك أن يمحوا أثر رمضان من نفوسهم إن كان له فيها أثر، ويجددوا عهدهم مع الشيطان الذي قلَّ تعاملهم معه في شهر رمضان».
لقد اختلفنا عن غيرنا بخيرات حسان كانت نظَرتُنا إليْهما أقوى الصلات الروحانية، فهنِئْنا، وابتسمْنا، وقُلْنا لِمن نلقاه أطيب الكلام: كلَّ عام وأنتم بخير، ليرد بأطيب القول: عساكم من عوادة.
لتنطلق منها «العيدية»، بمختلف مسمياتها وتعدد صورها، شكلًا من أشكال التكافل الاجتماعي التي تسهم في تعزيز العلاقات والروابط الاجتماعية، سواء بين الأهل والأقارب، أو الجيران وأهالي الحي والتي تعود أصولها للعهد الفاطمي، و»الجامكية» في العصر المملوكي ومسمياتها عبر الأزمنة والعصور (الرسوم، التوسعة، الحوامة، القرقيعان، الفرحية، الخرجية، الحقاقية)، وتعني النقود المخصصة لشراء الملابس الجديدة، ثم غُيرت إلى «العيدية». ليزف لنا الشاعر: بدوي الجبل قوله: يزفّ لنا الأعياد عيدًا إذا خطا وعيدًا إذا ناغى وعيدًا إذا حبا.
إن أعيادنا تجدها: «زمن قصير ظريف ضاحك تفرضه الأديان على الناس؛ ليكون لهم بين الحين والحين يوم طبيعي في هذه الحياة التي انتقلت عن طبيعتها»، كما وصفها مصطفى صادق الرافعي، ليصفه في موضع آخر بأنه: «يوم تعم فيه الناس ألفاظ الدعاء والتهنئة مرتفعة بقوة إلهية فوق منازعات الحياة».. التي تشكل العيدية فيها عبئاً على ذوي الدخل المتوسط والمحدود؛ فلنرفق بهم وبالمحتاجين منهم ولنُدخل الفرحة على قلوب أطفالنا الصغار فهم نسيج مجتمعنا وصلاح أمتنا، فمثل تلك المناسبات تعدّ فرصة للتعليم والتقرب والتوجيه، فالعيد هو يوم استرواح القوة من جدها، والناس جعلوه استراحة الضعف من الذلة. والعيد في الإسلام هو يوم المبدأ، وقد جعلوه يوم المادة، ولذلك يقول مصطفى السباعي رحمه الله: «مَن أراد معرفة أخلاق أمة فليراقبها في أعيادها إذ تنطلق فيها السجايا على فطرتها وتبرز العواطف والميول والعادات على حقيقيها».
ختاماً: ليس العيد إلا تعليم الأُمة كيف تتسع روح الجوار وتمتد، حتى يرجع البلد العظيم وكأنه لأهله دار واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهر فضيلة الإخلاص مستعلنة للجميع، ويُهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلصة المحبة؛ وكأنما العيد هو إطلاق روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها.. فعوَّدَ يعوِّد، تعويدًا، فهو مُعوِّد، حافظ من الله لنا ولأوطاننا.