عبدالعزيز صالح الصالح
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم - {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (89) سورة النحل.
فهو النور المضيء الذي أنزله رب العباد ليضيء به ظلمات النَّفس البشريَّة، حيث إنه كتاب جمع فأوعى، وأحكمت آياته بين سطوره المضيئة للعالم بأسره، دقيقه وجليله، صغيره وعظيمه ومن القصص التي وردت في كتاب الله الكريم - قصة الطائر المؤمن - الَّذي كان له دور في تأصيل القضية الإيمانيًّة في موقع فسيح على وجه البسيطة. حيث يخبرنا بأن كل نوع من تلك الحيوانات والطيور، ما هي إلا أمًّة من أمَّة مثل البشريًّة كما قال الباري عزَّوجلَّ في محكم كتابه الكريم:{وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (38) سورة الأنعام.
لا توجد أمَّة من الأمم بدون روابط تربطها، وأول هذه الروابط هي اللُّغة المشتركة التي تكون وسيلة من وسائل التفاهم، وهذا الأمر ملحوظ وواضح في حياة أنواع عديدة من تلك الطيور، والحشرات والحيوان - فقد أخبر القرآن الكريم أن الطير يتكلم فقال المولى عزَّوجلَّ على لسان سيدنا سليمان عليه السَّلام {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ} (16) سورة النمل.
ويحاول العلماء استكشافا لهذه اللغة، وذلك عن طريق الحدس والظن لا عن طريق الجزم واليقين، فالهدهد من الطيور التي تصلي وتسبح، وكان له مع سيدنا سليمان عليه السَّلام شأن عظيم، حيث أنعم الله عليه بمعرفة لغة الطير وكانت الأمور خارقة حيث من خوارق الأنبياء كان سليمان عليه السلام يسير مع جيشه المكون من الجن والإنس والطير، كما قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} (17) سورة النمل. وقف الجيش وأخذ القائد يتفقده، وحينما وصل إلى تفقد الطير لم يجد الهدهد قال تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} سُورة النمل آية (20-21).
ويفهم القارئ الكريم. من هذا أن الهدهد - هدهد خاص وليس هدهداً من تلك الألوف أو الملايين التي تحويها الأرض، حيث إن هذا الهدهد يرى الماء من تحت الأرض كما يُرى الماء في الزجاج، وقد اتضح الأمر لسليمان عليه السَّلام أن الهدهد غائب بدون إذن، وحينئذ يتعين أن يؤخذ بالحزم كي لا يكون الأمر فوضى بين هؤلاء الجند، لكن سليمان ليس ملكاً جباراً في الأرض، إنما هو نبي، فهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب حتى يتبين عذره، ومن ثم تبرز سمة النبي العادل، ثم يعود الهدهد لقائد الجيش ويقف أمامه مطلقاً صرخة مدونة تطغى على أسباب غيابه فيقول لسليمان عليه السَّلام» {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} (22) سورة النمل. وهكذا يخاطب الهدهد نبي الله سليمان عليه السَّلام - بهذا الأسلوب الذي يكشف عن بديع صنع الله، ولطيف حكمته فالمرء يدرك تمام الإدراك أنه مهما أوتي من علم فقد تكون هناك مخلوقات لديها من العلم ما لم يحط به الإنسان خبراً) أليس الباري عزَّ وجلَّ هو القائل: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (76) سورة يوسف. ومن خلال حديث الهدهد، تجد نبرة الوعظ وروحه، فالهدهد واعظ ماهر حذق في فنون الكلام، وفي أبسط الكلمات، وأدق الأساليب - عن سبب غيابه، فيقول في هدوء المتيقن وثباته {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} (22) سورة النمل. ثم يقول بطريقة مفصلة {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} (23) سورة النمل. فالهدهد الواعظ ينقل الخبر ثم يبدأ في تحليله وكأنه رجل إعلام محنك، ينقل خبراً مكثفاً ثم يضع له تحليلاً إخبارياً ويمضي الهدهد في توضيح أبعاد ذلك النبأ فيقول: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} (24) سورة النمل. حديث يصدر عن وعي عميق، يعلم صاحبه من هو الله، ويعي لمن تكون العبودية كما قال تعالى: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} (25) سورة النمل. ولنا في هذه القصًّة العبرة، لعلنا نعتبر يا أولى الألباب.