مرفت بخاري
أسوأ ما قيل عن الحب إنه أعمى.. وكأن العمى فضيلة، وكأن القلوب لا تبصر الحقيقة إلا بعد أن تنكسر. لكن الحب لم يكن يومًا عذرًا للهوان، ولن تكون نهايته الحتمية الخذلان. نحن من نوهم أنفسنا أن الصبر على الأذى وفاء، وأن التغاضي عن التجاهل حب. فمتى ندرك أن الكرامة لا تتعارض مع الحب، بل تحميه؟
أن تمنح قلبك لمن لا يجيد الاحتفاظ به، أن تكون حاضرًا حين يغيب الجميع، ثم تكتشف أنك كنت مجرد خيار مؤقت.. هذا ليس ألمًا عابرًا، بل درس قاسٍ يترك أثره في الروح. فالخذلان ليس مجرد غياب يترك فراغًا في الروح والمكان، بل طعنة غير متوقعة من يدٍ ظننتها الأمان، وكتفٍ اعتقدت يومًا أنه لن يميل.
لكن حين يسقط الستار، تنكشف الوجوه التي كانت تنتظر سقوطك، وتُرفع الأقنعة عمن كان يخفي لك الوجع خلف ابتسامة زائفة. وما يجعل الليل أكثر وطأة ليس الخذلان ذاته، بل تلك الكوابيس التي لا تفرق بين النوم واليقظة، فنحن حين نُخذل، لا نخسر الآخرين فقط.. بل نخسر جزءًا من ذواتنا، فتتغير معاني المفردات، وتتبدل ملامح القلب، كأن الألم يعيد تشكيلنا بيدٍ من جفاء.
لكنني متيقنة أن بعد كل سقوط بداية جديدة، وأن تلك البداية لن تكون كسابقتها، بل ستكون مغايرة تمامًا. فلا ثقة توهَب بسهولة، ولا أمان يجد طريقه سريعًا، ولا مشاعر تنطلق بلا قيد. وكأننا، رغم كل شيء، نقيد قلوبنا بسلاسل الحذر.. كي لا نُخذل من جديد.
ولأننا نسعى دومًا للسلام الروحي، نكتشف أن الراحة تكمن في الابتعاد، في الاكتفاء بالذات، في إحاطة القلب بأسوارٍ لا تفتح إلا لمن يستحق. فمخالطة البشر الأنقياء باتت نادرة، بل تكاد تكون مستحيلة، فالكل مجروح، والكل غاضب، والكل يظن كما نظن.. وهنا يكمن الانهيار الحقيقي.
لكن احذروا.. وإياكم أن تعمموا! لا تزال في هذا العالم قلوب نقية، أرواح خُلقت للخير، ونبضات لا تعرف الخذلان. الخير باقٍ في أمة محمد – صلى الله عليه وسلم - إلى قيام الساعة، ولن أقول إن العثور عليهم سهل، لكنه ممكن.. يحتاج إلى وقت كافٍ، ليعيد التوازن إلى قلوبنا، ويمنحنا القدرة على الوثوق مجددًا، دون أن نخشى السقوط.
الخذلان ليس مجرد تجربة مريرة، بل هو نقطة تحول، هو اللحظة التي ندرك فيها أن الحياة ليست دائمًا كما نريد، وأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على النهوض من جديد. حين تتعرض للخيانة، يصبح لديك خيار: أن تبقى عالقًا في الماضي، أو أن تقف على قدميك وتستجمع قوتك لمواجهة ما هو قادم. فما نحتاجه بعد كل صدمة ليس أن ننتظر من الآخرين أن يغيروا تصرفاتهم، بل أن نغيّر نحن أنفسنا، (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ).
وأن نختار أن نعيش بحرية، وأن نُقدّر ذواتنا دون الحاجة لإثبات قيمتنا لمن لا يستحق. فالحياة قصيرة جدًا لنمضيها في انتظار الاعتذار أو التقدير من أي أحد؛ فالقيمة الحقيقية تكمن في قدرتنا على المضي قدمًا دون أن نسمح للألم أن يحدد مسارنا، علينا أن نثق بأن القوة الحقيقية لا تأتي فقط من القدرة على الوقوف بعد السقوط، بل من قدرتنا على مسامحة أنفسنا أيضًا. نحن من نحمل الأعباء ونحكم على أنفسنا بنقد قاسٍ، لكن الحياة تعلمنا أن الرحمة تبدأ من داخلنا. حين نغفر لأنفسنا على ما مررنا به، نمنح أنفسنا فرصة للشفاء، ونكتشف أن الألم كان جزءًا من عملية النمو. لا تظنوا أن الشفاء مرتبط بمن يعتذر أو يغير تصرفاته، بل هو مرتبط بكيفية مسامحتنا لأنفسنا للسماح بظهور قوتنا الحقيقية. ونعود بعد كل سقوط نقف من جديد بكل خير.
كونوا بخير