صالح الشادي
ما أعظم أن تكتب عن رجلٍ حوّل حياته إلى قصيدةٍ من العطاء، وشيّد من إنجازاته مدرسةً للفكر والإبداع. صاحب السمو الملكي الأمير #خالد_الفيصل - أو «دايم السيف» ليس مجرد شاعر أو أمير، بل ظاهرة إنسانية فريدة، جمعت بين سمو المنصب ورقّة المشاعر، بين عظمة المسؤولية ودفء الإنسانية.
لقد اختار «دايم السيف» لقبه الشعري بعناية، فكان خالد وكان الفيصل وكان السيف رمزاً لفصاحته القاطعة، ولشجاعته في تجديد الشعر النبطي بجرأة وجمال ودون تردد.
أسس مدرسة شعرية باذخة الجمال قوية التأثير جمعت بين الأصالة والحداثة، حيث العمق الفكري يكتسي برداء اللغة السلسة. جاءت قصائده كاللؤلؤ المنثور، كلماتٌ تُقرأ بسهولة وتُحفر في الذاكرة بعمق. أجيالٌ من الشعراء والمثقفين تتلمذوا على يديه، ونهلوا من معين شاعريته الفذة ذات النكهة الخاصة.
أتذكر ذلك اليوم الخالد في ثمانينيات القرن الماضي، حين صحبني والدي ومعلمي الشيخ عبدالرحمن بن منصور بن مطرف حامل الراية السعودية - رحمه الله - في زيارة خاصة إلى منزله العامر. في ذلك اللقاء الأول، الذي تشرفت به رأيت كيف تتجسد العظمة في صورة إنسان. استمع إليّ وأنا ألقي نصاً فصيحاً، فكان منصتاً مبتسماً، لم يبخل عليّ بتوجيهه ولا بنصحه. تلك اللحظات القليلة كانت كفيلة بأن تترك في نفسي أثراً لا يزول، وتضيء لي آفاقاً من الجمال والفكر لم أكن أدرك كنهها من قبل.
في مساء من مساءات التسعينيات، لا زلت اتذكر حين جاء اتصاله الكريم الذي لا يُنسى، يدعوني للمشاركة بقصيدة في فرحة زفاف نجله الأمير سلطان على كريمة الأمير بدر بن عبدالمحسن. أي تشريف هذا أن يختار الأمير شاعراً بسيطاً مثلي من بين بحر المواهب؟ كان هذا الموقف درساً بليغاً في معنى الرعاية والتواضع، وإثباتاً أن العظماء الحقيقيين هم الذين يصنعون العظمة وجمالها.
لطالما أذهلني كيف يكون قريباً من الجميع رغم أعباء منصبه الجسام. لا أنسى تواضعه الجم وتلطّفه بالاتصال بي في أكثر من مناسبة، منها حين كتبت عن منجزه الفكري والأدبي في صحيفة عكاظ. لقد أحرجني برقيه الباذخ، اذ قابل ثنائي عليه بقوله: «أنا لم أفعل سوى الواجب». ولم يحدث أن اتصلت بسنترال قصره إلا وكان يشرفني بالرد والتوجيه، وبالسؤال.. حتى في أوقات انشغاله أو راحته.
عندما كلّفني حفظه الله بكتابة أوبريت «كيف نكون قدوة» الذي عُرض في الاستاد الرياضي في جدة، لم أكن أعلم أن هذه التجربة ستكون من أعزّ الذكريات في حياتي. إذ بعد نهاية العرض، وحين جاءت كلمته اختزل كل المشاعر والكلمة في عبارة عظيمة جميلة: «لا عطر بعد عروس»، ليكون هذا الإيجاز المعبّر درساً في البلاغة والتواضع والحكمة، ودليلاً على فراسته الأدبية وإنسانيته وتقديراً منه لكل إبداع وإشادة وأي إشادة.
أتذكر في أحد الأيام، حين تشرفت بلقائه في مكتبه بحضور كوكبة من المثقفين والإعلاميين. وخلال الحديث، التفت إليّ قائلاً: «صالح، أنت أحد رموز الإبداع في هذه الحقبة». كانت كلماته كالعقد النفيس، تزداد قيمة كلما مرّ عليها الزمن، وتُثقل كاهل من يُمنحها بمسؤولية الحفاظ على هذا الشرف العظيم.
اليوم، ونحن نستذكر سيرة هذا العملاق، ندرك أن خالد الفيصل حفظه الله وأمد في عمره يمثل جامعة فكرية وأدبية وأخلاقية تخرّج فيها الأدباء والمفكرون. إنه مدرسة علّمتنا أن العظمة الحقيقية هي في العطاء لا في الألقاب، وفي صناعة الفارق لا في التباهي بالمجد.. هكذا عاش دايم السيف، وهكذا يبقى فينا: داراً للفكر، وموطناً للأدب، ومعلماً للإنسانية، يعلّمنا أن السيف قد يصدأ، أما الكلمة الصادقة والموقف النبيل فلا يفنيان أبداً.