د. محمد بن أحمد غروي
في جنوب شرق آسيا، كما في العالم العربي والإسلامي، يتجلّى عيد الفطر كعلامة فارقة في الوجدان الجمعي للمجتمعات المسلمة، تتشابك فيه الطقوس الدينية بالعادات الاجتماعية لتنسج مشهدًا احتفاليًا يعكس القيم الإسلامية في أبهى صورها. غير أن ما يميز هذه المنطقة عن غيرها هو عمق التقاليد المحلية التي أدمجتها شعوبها ضمن نسيج احتفالات العيد، فشكّلت لوحة غنية بالتنوع الثقافي، يتجدد فيها معنى «العودة»، لا كحدث جسدي فحسب، بل كمفهوم رمزي للارتباط بالجذور والانتماء.
في إندونيسيا، يُعرف عيد الفطر باسم «لباران - Lebaran»، ويُعد من المناسبات الأكثر أهمية في العام. يسبقه تقليد «العودة إلى القرية - Mudik»، وهو حركة جماعية هائلة للمواطنين من المدن الكبرى نحو قراهم الأصلية. هذه العودة الجماعية، التي تُسجل فيها حركة النقل واحدة من أكبر الهجرات الموسمية عالميًا، تعبّر عن رغبة عميقة في صلة الرحم وتجديد الروابط العائلية.
الاحتفال هناك يبدأ من ليلة العيد، حيث تعم أصوات التكبير الشوارع، ويخرج الناس في مواكب احتفالية وهم يقرعون الطبول، سواء سيرًا على الأقدام أو عبر سيارات مفتوحة، في مشهد مبهج تستمر أصداؤه حتى صلاة العيد. وتنعكس في هذه الطقوس روح الجماعة والفرح، حيث تتداخل المظاهر الدينية مع الاحتفال الشعبي.
يبرز في جزيرة لومبوك تقليد «بيرانج توبات – Perang Topat»، الذي يُحتفل به بإلقاء أكياس «كيتوبات» (أرز مطهو داخل أوراق النخيل) بين المشاركين، وهو رمز للوئام بين الهندوس والمسلمين الذين يتشاركون العيش في الجزيرة. الطقس لا يعبّر فقط عن بهجة العيد، بل يعكس التسامح الديني والتعايش الثقافي في المجتمع.
أما في مدينة بنجكولو، فهناك طقس «رونجوك ساياك – Ronjok Sayak»، حيث تُجمع قشور جوز الهند وتُحرق في طقوس مهيبة تصاحبها الأدعية، تعبيرًا عن صلة الأحياء بأسلافهم. وتُقام هذه الطقوس بعد صلاة العشاء في أول أيام العيد، وتحمل دلالات رمزية تتعلق بالتواصل مع التاريخ والذاكرة الجماعية.
وفي مدينة بونتياناك، غرب كاليمنتان، تُطلق «مدافع الكربيد – Meriam Karbit»، وهي أنابيب معدنية ضخمة تُحدث دويًا هائلًا باستخدام مادة الكربيد. يسبق هذا التقليد بيوم العيد ويستمر حتى اليوم الثالث منه، ويُعد جزءًا من الهوية الثقافية للمدينة، مرتبطًا بأسطورة تأسيسها وشجاعة مؤسسيها.
في ماليزيا، يتجلى عيد الفطر في تقليد «البيت المفتوح - Rumah Terbuka»، وهو استقبال جماعي يقيمه الأفراد والمؤسسات وحتى العائلة المالكة، يُدعى إليه الجميع من مختلف الأعراق والديانات. يعكس هذا التقليد روح التعايش والتسامح في المجتمع الماليزي، ويمتد خلال شهر شوال بأكمله.
كما يتزين الماليزيون بالزي التقليدي، حيث يرتدي الرجال “باجو ملايو” والنساء “باجو كورونغ”، بألوان زاهية وتصاميم تحافظ على التراث الملايوي، في مظهر يعكس الفخر بالهوية الثقافية والخصوصية الوطنية.
في بروناي، تتخذ احتفالات عيد الفطر طابعًا فريدًا بفتح أبواب القصر الملكي للجمهور لمدة ثلاثة أيام، في مشهد استثنائي يسمح للمواطنين والسياح بلقاء السلطان وزوجته وأفراد العائلة المالكة. يُقدَّم الطعام للزوار في أطباق مختومة بالختم الملكي، وتُتاح الفرصة للدخول إلى أجزاء من القصر، مما يجعل العيد في بروناي حدثًا عامًا ذا طابع ملكي وإنساني في آنٍ واحد.
في دول آسيان الأخرى، مثل تايلاند وسنغافورة والفلبين وكمبوديا، حيث يشكل المسلمون أقليات، يحتفظ عيد الفطر بمكانته الروحية والاجتماعية، ويُحتفل به من خلال زيارات العائلات وتقديم العيديات للأطفال وطلب العفو من الكبار. يحرص المسلمون في هذه الدول على إحياء العيد رغم محدودية الموارد أو التحديات الاجتماعية، ويجعلون من المناسبة فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية، ونشر قيم الاحترام والتسامح.
ختامًا، يمكن القول إن عيد الفطر في جنوب شرق آسيا يتجاوز كونه مناسبة دينية إلى كونه حدثًا وطنيًا ومجتمعيًا ذا طابع ثقافي متفرد. ومن «العودة إلى القرية» في إندونيسيا إلى «البيت المفتوح» في ماليزيا، ومن قصر السلطان في بروناي إلى طقوس الأقليات المسلمة في دول أخرى، تلتقي المظاهر المختلفة على وحدة الشعور بالعيد، باعتباره لحظة تجديد للمحبة، وللصلة، وللهوية.