عبدالعزيز صالح الصالح
عندما يتأمل المرء في ديننا الإسلاميِّ العظيم يجد أن مبادئ الأخلاق العالية تتجرد تجردا كاملاً من قائمة التعالي على كافَّة البشر سواء من ناحية الدِّين، أو اللُّغة، أو اللون، أو المركز، أو القيادة، أو الجاه، أو المال، أو العلم، أو الثَّقافة، واحتضانها للمرء بوصفه هو إنسانا. فإن بر الوالدين واجبة شرعاً سواء كان الوالدان مسلمين، أو كتابيين، أو مشركين، أو بوذيين، فلو كان أحد الأبناء من هؤلاء متعددي الأديان مسلماً يبقى واجباً عليه البر بهما مهما كان الأمر!! فاختلاف دينهما لا يبيح للابن المسلم، التنصل من واجب البر بوالديه طبقاً لمعايير الأخلاق الإسلاميَّة - كما قال الباري عز وجل: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} (15) سورة لقمان. وعندما يكون الوالدان أعداءً للإسلام والمسلمين، فيجب على الابن المسلم أن يقطع مودته لوالديه قال الباري عز وجل في محكم كتابه الكريم: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} (22) سورة المجادلة. وقال أيضاً: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} (114) سورة التوبة. فإن الصَّدق - والشّهادة خاصَّة - لا تعرف الأخلاق الإسلاميَّة تفرقة بين الثَّقافة العربيَّة أو غير العربيَّة، ولا بين المسلم وغير المسلم. ولكنها تؤكد على وجوب شهادة الصَّدق والحق، بصرف النظر كلية عن النوع والجنس وعن عقيدة المستفيد وكذلك المتضرر. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} (135) سورة النساء. فالصدق في الشّهادة لله، لا تقصد أحداً بعينه، وإنما هي واجبة على كل مسلم، إنها الموضوعيَّة بأقصى القدرة الإنسانيَّة، أما شهادة الزور فهي محرمة مطلقاً، ولا تباح بأي حال من الأحوال، ولا يمكن لأي فرد من الأفراد، مواجهة هذه الحقائق، مهما بلغ به التحامل والشدة، والقسوة، والتعالي، والتفكر، والعنا، فإن هذه الأخلاق الإسلاميَّة فهي أنقى وأطهر النظم الأخلاقية التي عرفها الإنسان من شوائب الكبر بكل ضروبه وأشكاله. فان الصدقة التي يتقرب بها الفرد المسلم إلى خالق هذا الكون، فإن ديننا الإسلاميِّ يبيح إعطاءها إلى غير المسلمين عامَّة يقول الشيخ - محَّمد عبده -رحمه الله- في تفسير هذه الآية الكريمة - {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ} (272) سورة البقرة. فالمرء يتابع استقراء التّعاليم الخلقية الإسلامية المتصلة بفضائل: الأمانة، والصدق، والعفة، والوفاء بالعهد، لوجدناها تفيض إنسانيَّة عما ذكرناه سلفاً من مبادئ وفضائل وتجردها من التعالي والتميز. حيث إن الإسلام هو أسبق الشرائع التي عرفها الإنسان إلى نبذ هذه الأمور السَّيِّئة وتوطيد، دعائم الإنسانيَّة السمحة. حيث إن شريعة الإسلام ونظمه وقوانينه ومبادئه الأخلاقية صالحة لكل مكان وزمان.
والله الموفِّقُ والمعين.