عايض بن خالد المطيري
في زمنٍ كثرت فيه قضايا الخلع والطلاق، واهتزّت فيه أركان البيوت بسبب ضعف الاحترام بين الأزواج، وتراجعت فيه هيبة الآباء أمام أبنائهم، نجد أن بعض الزوجات لم يعدن يدركن الدور الجوهري الذي تلعبه المرأة في تعزيز مكانة الزوج داخل الأسرة. لم يعد الأمر مجرد تفاهم زوجي، بل تجاوز إلى أزمة تربوية تهدد بنية المجتمع بأكمله.
حين تفقد الأسرة توازنها، ويغيب الاحترام المتبادل، تنعكس هذه الفجوة على الأبناء، فتتلاشى قدسية دور الأب في نظرهم، ويكبرون دون أن يدركوا قيمة الطاعة والاحترام والتقدير. ولكن، رغم كل هذه التغيرات، لا يزال هناك أمهات يصنعن الفرق، ويدركن أن بناء الأسرة السليمة لا يتم بالكلمات، بل بالأفعال الصامتة التي تغرس القيم في النفوس دون خطب أو دروس مباشرة.
في عالم يعجّ بالمظاهر والتعبير اللفظي عن المشاعر، قد نغفل عن حقيقة أن الحب والاحترام لا يُقاسان بالكلمات، بل بالأفعال الصامتة التي تحمل في طياتها أعمق معاني الوفاء. هناك علاقات قائمة على التقدير الفعلي، لا تحتاج إلى مقاطع عاطفية أو منشورات تُزيّنها العبارات المنمقة، بل تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يصبح الاحترام أسلوب حياة يُنقل دون وعي إلى الأجيال القادمة.
القصة التي سنرويها ليست مجرد حكاية أسرية عادية، بل درس في فن التربية غير المباشرة، حيث تُصبح الأم مدرسة تُخرج جيلاً يقدّر الأب ويمنحه مكانته الطبيعية في الأسرة. إنها نموذج لعلاقة زوجية لم تتزين بالكلمات، لكنها بُنيت على أسس صلبة من الهيبة والاحترام، فتعلّم منها الأبناء دون أن يُملى عليهم ذلك.
يقول أحدهم: «لم أسمع أمي تقول لأبي «أحبك»ولم تعلّمنا كيف نحترم أبي بالكلام، لكنها كانت لا تقدّم الطعام حتى يحضر، ولا نشرب قبل أن يشرب، ولا تقبل أن نمدّ أيدينا إلى الطعام قبل أن يمدّ يده. أمي لا تملك هاتفًا لتعبر عن قلقها عند غياب أبي، بل كنت أراها تجلس عند الباب الخارجي للبيت، تنتظر حتى يرجع، ولا تدخل إلى البيت حتى يدخل هو. كان أبي خيمة أمي».
هذه الأم لم تكن بحاجة إلى الكلمات لتُعلّم أبناءها احترام والدهم، ولم تستخدم أسلوب الوعظ لتغرس فيهم قيم التقدير. كانت تُدرك أن التربية ليست أوامر تُلقى، بل مواقف تُعاش. حين كانت تؤخر طعامها حتى يأكل زوجها، وحين كانت تفرض الصمت في البيت احترامًا لنومه، وحين كانت تسانده بصمت في مرضه، كل ذلك كان دروسًا صامتة في الحب والاحترام.
يذكر صاحب القصة: «لم أسمع أمي تقول لأبي (أحبك) ولكن كانت قطعة الدجاج الكبيرة من نصيبه. أمي كانت تقول لنا: لا تبذروا فإن أباكم الآن تحت لهيب الشمس من أجل توفير لقمة العيش لكم. عندما كان أبي ينام، كانت أمي تفرض حظرًا للتجوال داخل البيت؛ لا صوت يعلو ولا لعب يُقام حتى يستفيق أبي من نومه. كنت أراها تُظلَم من الآخرين، لكن عندما يعود أبي لا تخبره، وعندما أسألها تقول لي: (أبوك متعب، لا أريد أن أزيد عليه الحمل). أحيانًا أنسى اسم أبي، لأني لم أكن أسمعه إلا في المدرسة، ففي البيت كانت تبجّله وتكنّيه بأسماء مثل (أبو فلان)، (قرة عيني)، (الشيخ) أبونا. لم أسمعها قط تناديه باسمه».
هذه القصة ليست حكاية تروى للتسلية، بل هي نموذج حقيقي لقوة التربية بالأفعال. هذه الأم لم تكن تحتاج إلى إجبار أبنائها على احترام والدهم، لأنها كانت تبني هيبته في أعينهم بسلوكها اليومي. كان الاحترام يتغلغل فيهم دون أن يُدركوا، لأنهم كانوا يرون في أمهم صورة الزوجة الصالحة التي تُقدّر زوجها وتضعه في موضع القائد داخل الأسرة.
الدرس العميق الذي تنقله هذه القصة هو أن احترام الأب يبدأ من احترام الأم له. فالأطفال يتعلّمون من مشاهدة تصرفات آبائهم أكثر مما يتعلمون من توجيهاتهم. وإذا كانت الأم ترى في زوجها قائدًا جديرًا بالتقدير، فإن أبناءها سيفعلون ذلك دون الحاجة إلى إجبارهم.
يكمل صاحب القصة: «تعلمنا احترام أبي من حكمة أمي، من احترامها له. لم تكن تعلمنا ذلك نظريًا، بل كنا نراها تطبّق الاحترام عمليًا، فكنا مجبرين على احترام أبي، لأن أمنا كانت تصنع له هيبة بيننا، تبجّله وتمجّده، فكنا نفعل ما تفعل هي. كنا أطفالًا، والأطفال يقلّدون».
لذلك وصيتنا للشاب المقبل على الزواج اختر الزوجة الصالحة، لأنها تسهّل عليك تربية أطفالك كثيرًا، فهي تزرع فيهم المبادئ والقيم والأخلاق. الأم الصالحة تربي أشبالًا صالحين، وتجبر أطفالها على احترامك ومهابتك بسبب احترامها لك وتقديرها لوجودك.