ناصر حضرم
في خضم التقدم التكنولوجي والانفتاح المعرفي، يواجه الإنسان تحديًا وجوديًا عميقًا يتمثل في فقدان المعنى وانهيار القيم. إنه تحدٍ لا يُقاس بالأرقام أو يُرى بالعين المجردة، لكنه يتسلل إلى الوجدان، ويقوّض ركائز التوازن النفسي والاجتماعي.
لقد أصبح الإنسان، في كثير من المجتمعات، جزءًا من عجلة مادية ضخمة لا تمنحه وقتًا للتأمل، ولا تتيح له فرصة لطرح السؤال الجوهري: «ما معنى ما أفعله؟ وما غايتي؟» يعيش الكثيرون في سباق يومي لتحقيق الإنجاز أو الكسب، لكنهم في قرارة أنفسهم يشعرون بالفراغ، ويغمرهم قلق غير مفسر. هذا القلق ليس إلا صدى لفقدان البوصلة الروحية والفكرية.
الانهيار القيمي يزيد من حدة هذا التحدي. فحين تصبح القيم الأخلاقية عرضة للتشكيك أو التلاشي، يضعف الإحساس بالانتماء والمسؤولية، وتتراجع مفاهيم مثل الصدق، والرحمة، والعدالة، لتحل محلها قيم استهلاكية سطحية تُعلي من المظهر على الجوهر.
ومع التقدم في الذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي، تتراجع العلاقات الإنسانية العميقة لتحل محلها تفاعلات افتراضية خالية من دفء الروح. إن العالم المزدحم بالشاشات قد ينجح في إيصال المعلومة، لكنه قد يعجز عن إيصال الحنان أو الاحتواء.
لذلك، فإن مواجهة هذا التحدي لا تتم بالتقنية وحدها، بل بإحياء القيم الجوهرية، وتعزيز ثقافة التأمل، وتربية الإنسان على التساؤل لا على التلقين. وحده المعنى العميق هو ما يُبقي الإنسان واقفًا وسط الأعاصير.
** **
- الكويت