م. سطام بن عبدالله آل سعد
كانت توجيهات سمو ولي العهد -حفظه الله- برفع الإيقاف عن التصرف في بعض الأراضي شمال الرياض، وتحديد سقف لأسعارها، وفرض شروط زمنية وتشريعية على التملك والبناء، بمثابة تحول حقيقي في النظرة إلى القطاع العقاري؛ لكونه ملفًا اقتصاديًا مقيداً بمنطق السوق فقط، إلى كونه أداة لإعادة التوازن بين النمو العمراني واحتياجات السكان.
وقد هدفت هذه التوجيهات إلى ضبط السوق، وبناء منظومة أكثر عدالة، تُوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، وتُعيد رسم العلاقة بين المواطن والمكان على أسس أكثر واقعية. وتتجلى هذه التوجيهات في أبعاد تنظيمية وتشريعية تنموية عدّة، من أبرزها ما يلي:
أولًا، تنتقل هذه القرارات في رؤيتها للعقار من كونه أصلًا للتداول والمضاربة، إلى كونه آلية لضبط الفروقات الطبقية وتحقيق ما يُعرف بـ «العدالة المكانية»، بحيث يُعاد توظيف العقار لضبط الأسعار، وتحسين جودة الحياة، وتوسيع فرص التملك، في نقض واضح لسياسات سابقة سمحت بتكديس الأراضي ورفع قيمتها على حساب القدرة الشرائية للمواطن.
ثانيًا، الشروط المرتبطة بالبناء خلال مدة محددة، ومنع التصرف في الأرض لعشر سنوات، تكشف عن رغبة صريحة في معالجة جذور المضاربة العقارية، عبر تفكيك الحلقة المغلقة التي كانت تحوّل الأراضي إلى أصول تُحتكر دون استثمار فعلي تنموي، وهذا يُعيد الأرض إلى وظيفتها الأساسية كوسيلة للتمكين العمراني والسكني، بدلاً من التربّح المتكرر.
ثالثًا، في خطوة تحمل بُعدًا اجتماعيًا، تُتيح القرارات فرصة التملك لمن يبلغ 25 عامًا وأكثر، بشرط عدم امتلاك عقار سابق، مما يفتح الباب أمام الأجيال الشابة لدخول السوق بشروط متكافئة، ويحد من التراكم الاحتكاري المبكر للعقارات. هذه الشروط تعكس وعيًا بضرورة إعادة توزيع الفرص بين الفئات السكانية.
رابعًا، يُمثّل تكليف الجهات المعنية برصد ومراقبة أسعار العقار بشكل دوري خطوة نحو تحول هيكلي في منظومة الحوكمة العقارية. إذ إن فتح المجال أمام توظيف أدوات الرقمنة، والتحليل الجغرافي، والذكاء الاصطناعي في رسم السياسات، يُشير إلى توجه نحو مراقبة السوق بمنهج علمي دقيق، وهو ما يُعزز صناعة قرارات أكثر استباقية، ترتكز على بيانات دقيقة لا على انطباعات السوق فقط.
خامسًا، يُعد تحديد مدد زمنية قصيرة لإصدار التعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء وتنظيم العلاقة بين المؤجِّر والمستأجر مؤشراً إلى انتقال واضح من البيروقراطية العقارية التقليدية إلى منظومة تشريعية أكثر مرونة وسرعة في الاستجابة، تتفاعل مع متغيرات السوق دون أن تُفرّط في الجوانب التنظيمية المطلوبة.
سادسًا، يُسهم اشتراط الاحتفاظ بالأرض ومنع التصرف بها لمدة عشر سنوات في تقليص استخدامها كأسلوب للربح الفوري، ويُعزز في المقابل من قيمتها الاجتماعية بوصفها موردًا مستقراً للسكن. ويُعد هذا التنظيم دعماً للاستثمار في إطار يخدم الاستقرار السكني، ويُقيد من المضاربة التي تُخلّ بتوازن السوق العقاري.
في المحصلة، تفتح هذه التوجيهات الباب أمام نقلة نوعية في فهم وتفعيل السياسة العقارية، بوصفها أداة استراتيجية لإعادة هيكلة المشهد الحضري والاجتماعي في العاصمة الرياض. وإنّ استثمار هذا التحول بوعي ومسؤولية من شأنه أن يجعل منه محطة مفصلية في مسار التنمية السعودية الحديثة، ويسهم بفعالية في تحقيق مستهدفات التحول الحضري والعدالة السكنية، التي تُعد من مرتكزات رؤية المملكة 2030.