د. محمد بن إبراهيم الملحم
استكمالاً للحديث عن مسلسل شارع الأعشى سوف أتحدث اليوم عن الشخصيات، حيث كانت أبرز شخصيتين عبرتا عن تلك الفترة بقوة وحضور غير طبيعي هما أم إبراهيم وأم جدعان، واللتان أدت أدوارهما الممثلتان عايشة كاي وعهود السامر، فهاتان الممثلتان نجحتا أي نجاح في نظري في تقديم صورة المرأة في السبعينات بل حتى إلى وقتنا الحاضر، فقد كان أداؤهما تلقائيا إبداعيا وتقمصتا الشخصية بنجاح كبير، وباختصار فإن كلا منهما أقنعتني أنها فعلا أم إبراهيم أو أم جدعان.
أما الممثلة إلهام علي التي لعبت دور السيدة البدوية (وضحى) فقد وفقت جزئيا في عدد من الأداءات تمثلت في طريقة اللبس وبعض الحركات والإيماءات ومحاولاتها تقمص اللهجة بيد أنها لم تصل إلى درجة مرضية من التمكن، خاصة وأنها بطلة العمل الرئيسية، فلا يمكن مثلا مقارنتها بأداء الممثلة ريم عبدالله في دور أم صامل.
باختصار.. فإن المشاهد يشعر من وقت لآخر بروح التمثيل التي تقوم بها الممثلة لتقديم الشخصية، مما يفقد المسلسل طعم الواقعية.
أما البنات: عواطف وعزيزة (آلاء سالم و لمى عبدالوهاب) فقد نجحتا في تقديم صورة عن بنات السبعينيات، وإن كان الأداء هنا ليس فيه تقمص شديد لأن روح الشباب في ذلك الوقت لا تختلف عنها كثيرا في وقتنا الحاضر باستثناء طريقة اللبس وتصفيفات الشعر وما يمليه كل دور من متطلبات بسيطة لتقديم صورة ذلك الجيل، ومع ذلك يسجل لهن النجاح إقناع المشاهد أن ما يشاهده هو فعلا بنات ذلك الوقت، ولكن تجدر الإشادة ببطلة العمل المحورية لمى عبدالوهاب التي قدمت دور (عزيزة) حيث نجحت تمثيليا نجاحا كبيرا وكانت تلقائيتها موفقة لدرجة إقناعك أن عزيزة حالة موجودة، وأن لمى نفسها هي عزيزة وعزيزة هي لمى. ولا يقلل ذلك من شأن بقية بطلات العمل حيث لوحظ تسليم البطولة ما بين حلقة وأخرى إلى واحدة أو أكثر من الممثلات، وبرزت في هذا الشأن الممثلة أميرة الشريف (الجازي) حيث نجحت بدرجة معقولة في تقديم اللهجة والشخصية البدوية. كما أن طرفة الشريف التي قدمت شخصية عطوة أقنعنا أداؤها بحالة الغربة والتمزق التي تعيشها هذه الشخصية وتمكنت من خلق حالة الدهشة لدينا.
الممثل القدير خالد صقر والذي قام بدور أبو إبراهيم حاول أن يرسم هذا الدور ولكن أعتقد أنه لم يحقق نجاحا كبيرا في هذا السبيل فظهر التكلف في أدائه ومحاولته السيطرة على روح الشباب التي يعيشها والظهور بمظهر الرجل الكبير رب المنزل الذي يتسم بالحكمة والحزم، وفي نفس الوقت لديه درجة من الانفتاح والتفهم، باختصار شديد الممثل خالد صقر لم يقنعني أنه هو أبو إبراهيم فعلا فمرة أشعر أنه يمثل ومرة أشعر أنه فعلا رب الأسرة، وربما تجلى أفضل أداء له لاحقا في مشاهده مع مغامرات عزيزة ومشاويرها ولكنه في الحلقات الأولى لم يقدم الشخصية جيدا، ولم يتمكن من تأسيس صورة مقنعة عنها، وقد ترك المشاهد لبقية الحلقات حتى يتعود بالتكرار على هذه الشخصية ويقتنع بها شيئا فشيئا، وهو ما لا يحسب جودة أداء والذي تقتنع فيه بالشخصية المرسومة منذ أول ظهور لها، وحتى لا أحيف في الحكم على ممثل بارع مثل الأخ خالد فإني محتار هنا هل الأداء هو السبب أو النص والسيناريو.
أما الممثلون الشباب باسل الصلي وعبدالرحمن نافع وبراء عالم وسلطان آل متعب الذين قدموا أدوار متعب و ضاري وسعد و إبراهيم فقد كانت أداءاتهم جيدة ولا أظن أيضا أنهم وجدوا صعوبة في تقديم صورة فتى السبعينات لأنه بكل بساطة لايختلف كثيرا عن فتى التسعينات أو الألفية في بدايتها والتي أغلب هؤلاء ينتمون إليها في تقديري، وعموما تظل مساحة الأداء الدرامي في عدد من المشاهد هي التي تحدد مستوى جودة عمل أحد منهم لا سيما أن النص ظلم الجانب الرجالي كثيرا في هذا المسلسل فقد كان منحازا (كميا) إلى الجانب النسائي وهذا متوقع عند النظر إلى أن كاتبة النص إمرأة، كما أن محاور سردياته تدور حول الشخصيات النسائية فيه، فهو مهتم بتقديم حياة البنات وهمومهن للقارئ والمشاهد.
أخيرا كانت هناك سقطات مكشوفة فمثلا من قام بدور رئيس الجماعة المتطرفة لا يمكنك أن تخطئ أساس لهجته السورية عند سماعك خطبته في مجموعته في الحلقات الأولى وإن حاول باجتهاد كبير أن يقدم لهجة بدوية ولكنها كانت أقرب لبدو الشام منها لبدو السعودية، ومع ذلك فهو على الأقل كان أفضل حالا من الشاب المغازلجي (رياض) الذي تقرب للبنت البدوية «مزنة» وكان يستخدم اللهجة السورية في حين أنه عبر عن نفسه لاحقا أنه فلسطيني! وفي نفس الوقت ذكر أنه حاصل على الجنسية، ولا يخفى على أكثرنا أن من حصلوا على الجنسية بسن الشباب غالبا ما يكونوا من مواليد السعودية ويتكلمون اللهجة السعودية بطلاقة.
وللحديث بقية.. سأتحدث فيها لاحقا عن جوانب أخرى من العمل تتعلق ببعض التناقضات الدرامية، وعدد من الملاحظات ثم سنناقش بناء وقيمة القصة من عدة جوانب فنية واجتماعية.