عبدالعزيز صالح الصالح
سوف أوضح مفاهيم تحتاج إلى تصحيح من قبل أطراف لا يملكون الحقائق بالصُّورة الصحيحة، وإنما يملكون معلومات تقال وتثار بين الفينة تلو الفينة عبر المجالس ويرددها بعضهم، فيما بينهم بدون مصداقية فمزرعة نبعان بعَرِقَة - يملكها في ذلك الوقت الشيخ مُحمَّد بن صَالح الصالح منذُ عام (1310هـ - 1386هـ) الموافق (1890م- 1966م) وهي تحت يده، فالمرء لا ينكر أن تختلف الأقوال في حومة النّقاش، فلو شاء الله لجعل النَّاس أمَّة واحدة، بل نؤكد أن الاختلاف في الرَّأي ظاهرة صحية سديدة، تدل على الحرِّيَّة التَّامة، وبعد النظر الممتد، وهو بعد مظهر للمساواة الصّحيحة التي تفسح مجال التعبير لكل من يريد، ونحن نرحب بهذه الحرِّيَّة، ونراها كسبا يضيف الجديد إلى المتلقِّي، ولكننا نرجو من النَّاقد أن يكون قاضياً لا محامياً، فننتظر منه أن يزن الأقوال والآراء ويناقش الأدلة ويلم بشتَّى الوجوه المتعدِّدة ولا عليه أن يخالف بالدليل ما يراه موضعاً للمخالفة، وأن يحبذ ما يجده موضع التحبيذ، بحيث يحس المتلقِّي، أنه أمام متحدَّث موضوعي يهدف إلى جلاء الحقيقة، باذلاً جهده بقدر الإمكان في إيضاحها، كما على النَّاقد من جهة ثانيَّة أن يكون واسع الصَّدر، رحب الحكم إذا وجه بمن يفند له قوله، فإذا لمس لديه صواب النظرة سارع إلى قبولها، وأعلن ارتياحه للتصويب، وهو بذلك يزيد مكانة في عين المتلقِّي، أما إذا ركب متن الشطط، وواصل الدِّفاع عن الرَّأي الخاسر، ظانا أنه يثبت أقدامه فقد نسي أن المتلقِّي حكم عادل، وأن الحقَّ لا يخفى متى اتضح الدليل، وماذا تكون مكانته وقد عرف عنه القراء لجاجة المتمحل، وإصراره على الضلال، ومن المؤسف كل الأسف أن بعض المتجادلين يلجأ إلى اختلاق المآخذ اختلاقاً ليشبع رغبات مريضه، ومثل هذا المنحرف يجد الإعراض والاشمئزاز، فلا يكاد المتلقِّي يجد اسمه في أسفل المقال حتى يشيح عنه في امتعاض الهبوط منحاه. فالاعتراف تارة لا بُدَّ فإن الكمال التام متعذر على كل إنسان لأن الكمال المطلق لله وحده وليس لسواه، وفي ضوء هذا الموضوع نجد أن القياس المعقول في القبول والرفض هو ترجيح نواحي الإحسان لكثرتها بالنظر إلى نواحي القصور، والناقد المنصف حين يتعرض لمناقشة موضوع «ما» يشغل الأذهان، لا بُدَّ أن يدرك ما يعتريه من نقص في جوار ما يتضمن من محاسن، فيجب عليه إبراز مواضع الاستحسان أوَّلاً حتى يكتشف خطئها، وبعد ذلك يقوم بدوره الإيجابي، أا إذا لمس من الطرف المقابل سوء النية، فيجب عليه ألا يصغي إليه في صوابه فإن النَّفوس البشريَّة عامَّة ذات أمراض خلقية فإنها تتطلب المثابرة والمطاولة حتَّى تفيء من سباتها العميق إلى طريق الحق، وما يلقاه إلا الَّذين صبروا، وإن من الجميل والطريف في مضمار النقاش أن يرحب الطرف المقابل بما يسمع من وجهات النظر المتعدِّدة، وأن يبدي رأيه في تبرير ما يجده من ضرورة مخالفة تقتضيها ظروف الزمان والمكان، أما التمسك بالطرف الأقصى بدون دليل في كل مسألة تقال أو تثار فهذا أمر غير مستحب، فالواجب على كل مِّنَّا أن يلتزم بصواب المنطق وسداد الحجَّة، وصدق الحديث مع الترفع عن مزالق الاسفاف والهبوط وإسقاط حقوق غيره.
والله الموفَّقُ والمعين.