هويدا المرشود
لا يمكن الحديث عن الاستدامة الإعلامية بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. الإعلام لم يعد مجرد وسيط محايد ينقل الأخبار، بل أصبح قوة مؤثرة تشكّل الوعي وتعيد رسم المشهد السياسي والاجتماعي.
السؤال اليوم ليس عن من يستمر، بل عن من يستطيع فرض صوته وسط الضجيج، ومن يملك الأدوات التي تضمن له البقاء كقوة مؤثرة لا كصدى عابر.
في 2025، لم يعد الإعلام كما كان قبل عقدٍ من الزمن. الصحافة الورقية التي سيطرت لعقود فقدت بريقها، وأصبحت المنافسة شرسة بين المنصات الرقمية التي لا ترحم المتباطئين. الأخبار لم تعد تُنتظر في نشرات المساء، بل أصبحت تلاحق القارئ في كل لحظة، عبر منصات سريعة التحديث، لا تعترف بالتأخير ولا بالخبر الباهت.
لكن وسط هذا التسارع، هناك سؤال أكثر عمقًا: من يصنع القصة؟ في السابق، كانت المؤسسات الإعلامية الكبرى هي التي تحدد الاتجاهات، وتختار ما يُقال وما يُخفى. اليوم، المشهد مختلف، حيث بات الأفراد قادرين على صناعة المحتوى والتأثير دون الحاجة إلى وسطاء تقليديين. صعود الصحافة المواطنية، وظهور المؤثرين كمصادر للمعلومة، جعل السيطرة على الرأي العام أكثر تعقيدًا، فلم يعد من السهل أن تحتكر جهةٌ ما الحقيقة أو توجّهها كما تشاء.
وهناك من يرى أن الإعلام التقليدي قد تراجع أمام هذا المدّ الجديد، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. الصحافة لم تفقد مكانتها بالكامل، بل فقدت تلك المؤسسات التي فشلت في التكيف مع التحولات. الصحف التي بقيت صامدة هي التي فهمت أن الاستدامة ليست في مجرد البقاء، بل في القدرة على إعادة تشكيل الذات وفقًا للمعطيات الجديدة.
على سبيل المثال، بعض الصحف العالمية الكبرى لم تكتفِ بموقع إلكتروني كواجهة رقمية، بل أطلقت منصات تحليلية، وأنتجت محتوى متعمقًا لا يستطيع الإعلام السريع تقديمه. الفرق اليوم ليس بين الإعلام التقليدي والجديد، بل بين الإعلام القادر على التطور والإعلام الذي اختار أن يكون ماضويًا.
لكن ما الذي يجعل وسيلة إعلامية قادرة على الاستمرار بينما تنهار أخرى؟ السر يكمن في ثلاثة عوامل أساسية:
1 - التكيف مع التكنولوجيا:
المؤسسات التي استثمرت في الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، وأساليب التفاعل الحديثة مع الجمهور، هي التي استطاعت أن تحافظ على مكانتها.
2 - إنتاج محتوى ذي قيمة:
ليس المهم أن تكون أول من ينشر الخبر، بل أن تكون المصدر الذي يلجأ إليه الناس لفهمه. الاستدامة لا تعني السرعة فقط، بل العمق أيضًا.
3 - القدرة على التأثير لا التكرار:
الصحافة التي تعتمد على إعادة نشر ما هو متاح للجميع لن تكون مستدامة. البقاء لمن يملك القدرة على تقديم رؤية تحليلية، وخلق النقاشات التي تترك أثرًا حقيقيًا.
والإعلامي اليوم لم يعد مجرد ناقلٍ للحدث، بل هو جزء من صناعته. من لا يفهم هذه الحقيقة سيجد نفسه مجرد ظل يتلاشى. الصراع ليس بين الصحف الورقية والمنصات الرقمية، بل بين من يمتلك أدوات التأثير ومن يكتفي بمراقبة التغيرات دون أن يكون جزءًا منها.
السؤال الحقيقي الآن ليس: كيف نبقى؟ بل: كيف نترك أثرًا يجعل بقاءنا ضروريًا؟ الإعلام لم يعد مجرد منصة، بل قوة، ومن لا يتعامل معه بهذه الرؤية، سيجد نفسه جزءًا من الماضي في وقتٍ أقرب مما يتخيل.