د. أحمد محمد القزعل
الحياة الدنيا مليئة بالاختبارات والصراعات، وقد يعاني فيها الإنسان من الظلم والقهر على يد آخرين يسلبونه حقوقه أو يحرمونه من نعمة كان من المفترض أن يتمتع بها، ولعل هذا العنوان يعبّر عن مشاعر الغضب الناتج عن الظلم الشديد، والاعتقاد الجازم بأن عدالة الله سبحانه وتعالى هي الفيصل الذي سيقتص للمظلومين ممن ظلمهم في الدنيا.
حقيقة إن الظلم من أسوأ الصفات التي قد يتصف بها الإنسان، وقد نهى الله عز وجل عن الظلم وحرّمه على نفسه وجعله محرماً بين عباده، والظلم لا يعني فقط انتهاك الحقوق المادية أو التعدي الجسدي، بل يشمل أيضاً القهر النفسي والمعنوي الذي قد يعانيه الشخص بسبب الحرمان من أبسط حقوقه كالحياة الكريمة والأمن والعدالة والتعليم وغير ذلك من متطلبات العيش الأساسية، وحين يُحرم الإنسان من حقوقه في الدنيا بسبب قوى ظالمة تتسلط عليه ولا تراعي كرامته، يشعر بأنه قد خسر ما كان يمكنه أن يحظى به من فرص ونجاحات، ومع ذلك يبقى الإيمان بعدالة الله حاضراً؛ ليطمئن هذا الإنسان بأن ما فاته من نعيم الدنيا سيعوضه الله به في الآخرة، بينما ينتظر الظالمين عذاب شديد.
ومن المفاهيم المهمة التي يجب أن نؤمن أن الدنيا ليست دار جزاء، بل هي دار اختبار وابتلاء، يُختبر فيها الناس بالصبر عند المحن والشكر عند النعم، وإن الله عز وجل قد يُملي للظالم في الدنيا ويمنحه القوة والمال والسلطة، ولكنه في النهاية سيحاسبه حساباً عسيراً يوم القيامة، وفي المقابل قد يُبتلى المظلوم بالحرمان والأذى، لكنه يثاب على صبره وإيمانه يوم الحساب، وقال الله تعالى في القرآن الكريم: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} (سورة إبراهيم: 42)، وهذه الآية الكريمة تطمئن المظلومين بأن الله يرى ما يعانونه، وأنه ليس غافلاً عما يفعله الظالمون، وإنما يؤخرهم إلى يوم القيامة حيث ستكون العدالة الإلهية هي الكلمة الأخيرة.
ومن الطبيعي أن يشعر الإنسان بالضيق والألم والغضب عندما يُحرم من حقه في الدنيا، وهذا أمر طبيعي لأن الله خلق الإنسان بفطرة تدفعه إلى البحث عن حقوقه والدفاع عنها، كما أن الشعور بالظلم يولد أحياناً الرغبة في الانتقام أو رد الاعتبار، لكن الإسلام يدعو المظلوم إلى التحلي بالصبر وترك الأمر لله عز وجل الذي يتولى الحساب والجزاء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» (صحيح الترمذي )، وهذا الحديث يؤكد قوة دعوة المظلوم؛ لأنها دعوة تُرفع إلى الله مباشرة، وتكون سبباً في زوال الظلم عن صاحبها، وإنصافه إما في الدنيا أو في الآخرة.
والله عز وجل وعد المظلومين بأن ينصرهم ولو بعد حين، وجعل لهم يوماً هو يوم القيامة يُؤخذ فيه حقهم كاملاً ممن ظلمهم، وقد وصف الله يوم القيامة بأنه يوم العدل المطلق، حيث لا يظلم أحد مثقال ذرة ويُرد لكل ذي حق حقه، فقال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (سورة الأنبياء: 47).
أما الظالمون الذين استمتعوا بنعيم الدنيا على حساب المظلومين، وأفسدوا في الأرض وأهلكوا الآخرين، فإن مصيرهم هو العذاب الشديد في الآخرة، ولعل الصبر هو السلاح الأقوى للمظلوم في الدنيا؛ لأنه به يرتقي المؤمن إلى درجات عالية عند الله، ويضاعف له الأجر والثواب، فقد أمر الله عباده بالصبر على البلاء، ووعد الصابرين بأجر عظيم، فقال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}، ومن صور الصبر أن يحتسب الإنسان ما يمر به من أذى وحرمان عند الله، ويترك القصاص لله الذي لا تضيع عنده الحقوق.
وعلى الرغم من قسوة الظلم في الدنيا، يبقى الأمل في عدالة الله هو ما يخفف عن المظلومين آلامهم، فهم يؤمنون بأن الله يمهل ولا يهمل، وأن هناك يوماً سيُقتص فيه لهم من ظلمهم وتتحقق فيه العدالة الإلهية الكاملة، ويمكن القول إن من يُحرم من حقوقه في الدنيا عليه أن يتذكر أن الدنيا فانية، وأن الآخرة هي دار الجزاء والعدل المطلق، والظالمون قد يتمتعون بما حرموا به غيرهم في الدنيا، لكنهم سيواجهون الحساب العسير يوم القيامة، حيث لا ينفع مال ولا جاه، بل يقف الجميع أمام الله ليأخذ كل إنسان حقه كاملاً، ولهذا فإن عبارة: «حرمونا الدنيا وسوف نحرمهم الآخرة بإذن الله» هي صرخة تعبر عن الإيمان العميق بعدالة الله، واليقين بأن الظلم لا يدوم وأن يوم القصاص آتٍ لا محالة.