منذ أن وطأت قدما الإنسان الدنيا وهو يهيم دون أن يعرف أسرار دربه، وما يحيط به ولا يعي أين وجهة خطاه، يتلمّس مجتهداً حاجاته ومتطلّباته بحدود إدراكه البسيط..
يرسم خارطة ذهنه لما حوله وتتفاوت الرؤية من شخص لشخص..
لكنها تصعب فهم الحياة عليهم وأسرار من حولهم..
فلا تدرك عقول الإنسان خبايا الآخرين وتجهل مهما بلغت فراستها الكثير عما يدور بخلدهم، طموحهم أهدافهم تطلّعاتهم قيمهم أخلاقهم نبلهم، فيضطر حيال إصراره عليهم حين أقعده قل إدراكه بهم أن يرسم لوحة لمن يحب أو لما هو يحب أن يكون مبنية على ما يريده لا على حقيقتهم التي يجهلها..
لم يسمح لحيز بسيط من احتمالية أن يكون قد أخطأ هذه الرسمة أو بالغ بجمالياتها، أو أنها قد تختلف عن واقع صاحبها، فلقد أفرط بعصار الألوان الساطعة على مقدار فرط لهفته وحبه..
وتزداد قيمة وقدسية هذه اللوحة سنة بعد سنة وتعظم قيمة المرسوم بها وهو لازال بعيداً عن واقع الرسام بل إنه بعيد جداً فهو غائب عنه لعشرات السنين..
فيزهد الرسام بواقعه ومن حوله ممنياً نفسه يوماً بواقع هذه الرسمة يرتقب يوماً تجمعه الأقدار به يسعى باحثاً عنها وهو يرتقب واقعها بلهفة يضحي بمن حوله بواقعه ويخسر الكثير ممن يحبونه، وهو يمني نفسه ولا يكل حتى يصل يوماً لواقعها..
تأتي الأقدار بعد سنين الانتظار فيقف الرسام أمام واقع الرسمة، فيصدم بأنّ هناك خطأ ما وأنّ الواقع أبشع بكثير مما قد رسم قبل سنوات عديدة، فيحتار مكلوماً أيهما الواقع وأيهما اللوحة؟..
يقف بعد أن خسر كل واقعه على سراب لوحة أقل مما كان يملكه رسامها..
هكذا هو الإنسان حين لا يقنع بواقعه ولا ترضى نفسه ويبحث عن خيالات أمانيه الملائكي، فلا نفسه تهدأ أو تطيب وتغيب الشمس وتشرق وينتهي به العمر وهو لم يسعد وظل أسير لوحة يحتار كيف ينفر من واقعها بعد أن وصل إليها.