كثيراً ما يتجاذب الناس أطراف الأحاديث في مجالسهم، ومنتدياتهم، وكثيراً ما تتناقل وسائل الإعلامِ الأخبارَ، والوقائع.
ولا ضير في ذلك؛ فالناس يتلهفون لسماع الجديد، ويترقبون ما سيكون في غدٍ، وقديماً قال طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ
وإنما يقع الخلل في نقل الأخبار، وتحليلها، ولهذا ترى أن اثنين من الناس ينقلون خبراً واحداً، وبينهما في ذلك النقل ما بين السماء والأرض. ثم إن تحليل الخبر، وتعليله، وتهويله، أو تهوينه - يُغَيِّبُ جانباً من الحقيقة. كما أن فصل الخبر عن زمانِه، ومكانِه، ورَبْطَهُ بخبر آخر، أو بَتْرَ جزءٍ منه - قد يَقْلِبُ الأمر رأساً على عقب.
وكثيرٌ من الناس لا يكتفي بنقل الخبر كما هو، وإنما يضفي عليه شيئاً من هواه ومزاجه، ويضيف إليه ما قد يصرفه عن حقيقته الأصلية كأن يهوِّل، أو يُهَوِّن بإشارة، أو تعريض، أو نبرة صوت، أو ما جرى مجرى ذلك.
وأقبح ما في ذلك أن يتعمد الكذب، خصوصاً إذا كان بينه وبين أحد الأطراف المنقول عنهم عداوة.
يقول الأستاذ محمد كرد علي -رحمه الله- في مذكراته 3/720 عن شيخه الشيخ طاهر الجزائري -رحمه الله-: «كثيراً ما رأيته يغضب على من يستنبطون من الحوادث ما يخطر لهم بادي الرأي، وكان يشير إلى أن يذكروا الحادث كما جرى وسمعوه، ويتركوا الاستنباط والتعليل لغيرهم».
لذا كان لزاماً على من دعته الحاجة إلى سَوْقِ خَبَرٍ أن يتوخى فيه الصدق، ويتحرى الحق؛ فإن الكلام حينئذ يملكك، ويحوجك إلى اتباعه، والانقياد له -كما يقول أبو هلال العسكري-. ولا ريب أن التفريط في هذا الأصل سبب لقيام العداوات، والمنازعات، والمنافرات.
* جامعة القصيم